اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢١ كانون الثاني ٢٠٢٦
حسن داوود*
في الصفحات الأخيرة من رواية «ليلة السكاكين» نقرأ عن البطل الأسطوري ابن سلامة وهو يسلم نفسه للموت. لم يواجه قتلته بالسلاح، هو الذي لم يؤت على ذكره من دون رشّاشه الذي أردى اعداء كثيرين. ليس لأنهم فاجأوه بمجيئهم إلى بيته في ذلك الليل العاصف، هو الذي قضى الكثير من سنوات حياته متخفّيا ومقتحما، ولا لأنه شاء أن يقدّم نفسه قربانا لشيء، فما سبق من الرواية لم يشر إلى ما يمهّد لذلك. هذا ما جعل قتله أقرب إلى انعطافة في مسار الرواية، لحظة غايرت ما تقدّم من سيرته، أو حادثة كان يمكن أن تكون عرّضية، كحلم في منام شهده الراوي ولن يلبث أن يفيق منه.
لكنه كان قتلا حقيقيا وتامّاً استعيض عن سرعة حدوثه بضخامة الجنازة التي أقيمت له. بشر كثيرون احتشدوا في المساحة المحيطة بقبر ابن سلامة، معزّين أو محتفلين حيث ترك الكاتب مشاعرهم كامنة في دواخلهم. يعرفون أن مقتل ابن سلامة حدث جلل، لكن لم يتمكّنوا من معرفة ماذا يعني لهم. ترك موته لغزا كما كانت حياته لغزا. لطالما كان التفكير فيه متقلبا في أذهان أهل قريته، فحينا يرون فيه بطلا مخلّصا، وحينا يقتنعون بأنه قاتل فاسد وسفاح. لم يستقرّ مثوله في أذهانهم على صورة واحدة، ذاك لأنهم يسمعون عن أخباره من أكثر من جهة. وما يزيد من اختلاط صورته فقره صغيرا، ما جعل أهل القرية يطعنون أمه من شرفها، لكونه عاشت بلا زوج.
ثم إن المتقوّلين من أبناء الجوار ليسوا وحدهم في إشاعة تلك السمعة عنها، فهؤلاء اتسعت أعدادهم ومواقعم بعد أن راح إبن سلامة يقتل المعتدين على أهل القرية. وهؤلاء سلسلة كاملة من القتلة يقودها زعماء العائلات المتحالفين مع متحيّني الفرص والأزلام والساعين إلى الارتقاء في المراتب. في طليعة هؤلاء الرجل المكنّى بابن فهد، مالك الأراضي الذي تمكن من أن ينضم إلى العائلات ذات المكانة بالمكر واغتنام الفرص. كان جبانا رعديدا لا يجرؤ على القتال، لكنه رغم ذلك، تمكّن من أن يفوق العائلات نفوذا وسيطرة، وهو الذي تولّى، معتمدا على أزلام ومخبرين، قتل ابن سلامة بعد عجز العائلات عن القيام بذلك.
ابن فهد هو البطل الضدّ في الرواية إذن، هم الرمز الممثّل للجبن والاعتماد على الدسيسة والتحيّن وانتظار الوقت المناسب للانقضاض، فيما ابن سلامة هو رمز للبطولة كما تتبدّى في الحكايات والأساطير، لكن في هذه الرواية لن تنتهي المواجهة بانتصار من يجب أن ينتصر تحقيقا لعدالة الأرض، فابن سلامة سقط صريعا في تلك المواجهة تاركا عدوّه يزداد نفوذا وقوّة. والأصحّ هنا أن ابن سلامة هو شبه أسطورة، أو أسطورة ناقصة، وذلك تبعا لتردّد أهل القرى في إبداء رأي واحد حيال كل ما يجري حولهم. من هؤلاء المخبرُ الذي طُلب منه ملاحقته. كان موقفه من ابن سلامة منقسما بين اعتباره منافحا عن أهل قريته ومعتديا عليهم. وعلى أي حال هذا ما يوافق صورة ابن سلامة في أذهان قارئي الرواية، إذ كانت حملاته ضدّ العساكر والأزلام تروى من دون تفاصيل واضحة، هكذا كما لو أنها كانت تجري بتناقل الكلام الذي يمكن أن يكون صحيحا ما يصفه، أو من صناعة المخيّلات. هذا ما لازم الكثير من أحداث الرواية ومواقفها التي لا يرسخ شيء فيها على يقين.
أما الإطار العام الذي تجري فيه الرواية فهو الحرب. في أحيان يخطر لنا أن ما نقرأه يرمز إلى الحرب الجارية في لبنان، أو في سوريا، لكن مختلطا بعناصر وتفاصيل تشترك فيها كل حرب. أما ما يدفع إلى الظن بمحلّيتها فقيامها، حسبما في الرواية، بين العائلات مالكة الأرض والفلاحين، وكذلك المرابعين الذين في الوسط، لكن الساعين، كما في التصور الشائع عن الحراك الطبقي، إلى الارتقاء. أما ما يبعد الظن عن محليتها فاقتصارها على ذلك الترسيم المحدود للمتواجهين فيها. لا ذكر مثلا لانتساب الجماعات فيها إلى طوائف أو إلى أحزاب فهذان التشكّلان غائبان عنها.
أما الإطار الزمني والاجتماعي فيأخذنا إلى ما كان حال بلادنا في القرون التي سبقت القرن العشرين، حيث البيوت منفردة والطبيعة حاضرة في الجوار والبشر تقودهم البديهة وقلة العلم بما يجري، هذا من جانب، ومن جانب آخر، نقرأ عن مرور ساجدة، المرأة الفاتنة، بسيارتها الفارهة. كما نقرأ كيف يتواصل الناس بواسطة الهواتف النقالة عبر الأقمار الصناعية وما إلى ذلك..
*”ليلة السكاكين” نوفيلا لعروة المقداد صدرت عن دار نوفل في 171 صفحة سنة 2025.
*كاتب لبناني













































