اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
تقوم إدارة أعمال البنية التحتية في كثير من المدن، حيث تلتقي جهات عدة في المكان نفسه، على قسمة تبدو محسومة. ما يُعرف مسبقاً من مشاريع الطاقة والمياه والصرف الصحي والاتصالات والطرق وغيرها يدخل خطة موحدة تنسّق مواقيته حتى لا يُحفر الشارع بعد أشهر من سفلتته، وما يفاجئ أصحاب الشبكات من أعطال يُرخَّص له فوراً لأن انقطاع الخدمة لا ينتظر دوره في الجدول، والفصل بين المسارين سليم في ظاهره، فالحياة اليومية تحتاج إلى النظام وإلى الاستثناء منه معاً، لكن الحد بينهما معلّق على كلمة واحدة نادراً ما يُعاد النظر فيها بعد أن تُقال، هي الطارئ.
الطارئ في لغة الإدارة وصفٌ للاستجابة لا للسبب. فهو يقرر أن العمل لا يحتمل التأجيل، ولا يقول لماذا وقع، والأنبوب الذي ينكسر تحت الشارع يستدعي الحفر في ساعته، سواء أصابه عارض لم يكن في الحسبان، أم تآكل وتكررت أعطاله في الموقع ذاته قبل أن ينهار، الحالتان متطابقتان لحظة الإصلاح، وتفترقان في أصلهما، فالأولى مفاجأة حقيقية، والثانية حادث سبقته علامات تستحق الفحص، وحين يقف السجل عند ما جرى دون مقدماته، تُدرج كلتاهما في خانة واحدة، فيختلط ما لم تتوقعه المدينة بما كان ينتظرها.
من هذا الخلط تنشأ مفارقة لا تكشفها الأرقام. فحين تكون سرعة الاستجابة مقياس الأداء، بترخيص يصدر فوراً وشارع يعود إلى حاله دون تأخير، توحي نتائجه الجيدة بأن الصورة مكتملة، وهو لا يرى من الطارئ إلا ما بعد وقوعه. والإصلاح العاجل واجب لا تهاون فيه، غير أن الاكتفاء بهذا المعيار يكافئ جودة المعالجة، ولا يسأل عما كان في الوسع توقعه.
ما لا يراه هذا المقياس له ثمنٌ يتجاوز فاتورة الإصلاح. فالجهة صاحبة الشبكة تسجّل في حساباتها ما صرفته على العطل، في حين تمتد آثاره إلى المدينة وسكانها، من طريق سُفلت قبل أشهر ثم فُتح من جديد، وحركة مرور تعثرت، ومحال تعذّر الوصول إليها، وهي أعباء حقيقية وإن لم تظهر كاملة في الأرقام. والخلل الذي تحوّل إلى طارئ يُعالَج خارج التنسيق بحفر خاص به، فإن كانت المعرفة السابقة تسمح بإدراجه مع أشغال أخرى مقررة تلائمه في المكان والتوقيت ذاتهما، صار الفرق بين ما أُنفق عليه منفرداً وما كان سيكلّفه معها وفراً ضائعاً.
عند هذه النقطة لا يكفي مؤشر حصة الطارئ من مجمل أعمال البنية التحتية، مهما بلغت دقته، فهو يقيس الحجم ولا يميّز بين الحالتين، مع أن فرص هذا الوفر تختلف بحسب قابلية مسببات العطل للاستباق. فصعود النسبة أو هبوطها لا يبيّن بذاته هل واجهت المدينة مفاجآت أكثر أم خللاً كان منظوراً قبل وقوعه؟. والرقم الواحد يحتمل صورتين متعاكستين، حوادث متفرقة لا رابط بينها، وأخرى تعود إلى الشوارع والشبكات نفسها عاماً بعد عام. الأولى أقرب إلى المصادفة، والثانية تستدعي البحث في جذورها قبل الحكم عليها.
التمييز الذي يعجز عنه المؤشر يأتي من مراجعة كل حالة بعد إغلاق موقع الحفر. أما التصنيف الشائع الذي يوزع الأعطال تبعاً للمرفق أو المنفذ أو نوع العمل فيخبر أين حدث الطارئ ومن تولاه، ولا يجيب عما إذا كانت المعرفة المتاحة قبل وقوعه تسمح باستعداد أو معالجة مجدية، وهذا السؤال الأخير هو ما ينقل التحليل من سجل يُحفظ إلى قرار يُتخذ، فقابلية الاستباق تُفحص لتحديد ما يدخل الخطة القادمة، وبهذا الغرض يبقى التقويم أداة تخطيط لا وسيلة محاسبة.
على المدى الأبعد، تتراكم نتائج هذا الفحص حتى تصير ذاكرة تخطيطية ترسم المواقع التي يعود إليها الخلل والمرافق التي تتوالى أعطالها، وعلى شواهدها يُبنى الاختيار بين طرق المعالجة، فيُوزن كل بديل بكُلفته وبما يبقى بعده من خطر، مقابل ما يُنتظر أن يجنّبه في المدة نفسها من خسائر تقع على المدينة كلها، لا على صاحب الشبكة وحده. فإذا رجحت كفة الاستباق صار قراراً استثمارياً له حسابه، وإلا ظلت الجاهزية للطارئ الخيار الأجدى.
وعليه، فالطارئ الذي كان متوقعاً يظل طارئاً ساعة وقوعه، وما قيل في الشارع ينطبق على كل مرفق خدمي يُقاس أداؤه بزمن استجابته، متى كانت معرفة مصادر أعطاله تتيح الاستعداد لها. فسرعة الإصلاح تشهد لقدرة الإدارة العامة على مواجهة المفاجآت، ورشدها يُقرأ فيما نقلته إلى خططها من أسباب كانت منظورة، وكان استباقها أقل كُلفة من انتظارها.










































