اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣ نيسان ٢٠٢٦
د. عبدالرؤوف الخوفي
يحلو للعقل البشري أن يُمجّد الحقيقة ويُقدسها بوصفها الملاذ الآمن الذي لا يمكن للخداع أن يدلف من خلاله، غير أن السؤال الأكثر إزعاجًا: هل يُمكن للحياة أن تستمر من غير وهْم؟ وهل نستطيع أن نواجه الوجود بكُلِّ ما فيه من قسوة إن نحن جرَّدناه من كلِّ خيال أو حلم جميل يتجاوز واقعنا المباشر؟
عندما ننظر إلى حياتنا اليومية نجد أن جزءًا كبيرًا منها قائم على نوع من «التسويف الوجودي» الذي يشي بتأجيل مواجهة الحقائق المُطلقة.. كمواجهة أننا سنموت، وأن أحلامنا قد تتبدّد، وأن من نحبهم زائلون لا محالة. ولولا الأوهام التي ننسجها حول المعنى لكانت الحياة شبه مستحيلة.
إذ ليس الوهم دائمًا خطأً في الإدراك، بل قد يكون أسلوبًا للبقاء. فنحن نقول إننا نريد أن نرى الأشياء كما هي، لكن ماذا لو كانت الأشياء كما هي ولكن أثقل ممَّا ينبغي؟ ماذا لو كانت الحقيقة في صورتها الكاملة لا تُحتَمل؟ عندها لا يكون الوهم خداعًا، بل نوعًا من التوازن الحياتي الضروري.
ولهذا لا تُبنى حياتنا على الحقائق الخالصة.. إنّنا نُحبّ من يُبالغ في تقديرنا، ونرتاح للأفكار التي تؤكد ما نؤمن به، ونميل إلى الروايات التي تمنحنا دورًا أفضل ممّا نحن عليه. لا لأننا سُذّج، بل لأن وعينا العميق يبحث عن معنى يُبقيه مستقرًا.
وقد التقط بعض الفلاسفة هذه المفارقة مبكرًا، فحين أشار الفيلسوف نيتشه إلى أن الإنسان لا يعيش بالحقيقة بل بالأوهام التي تمنحه القدرة على الاستمرار. وأنّ الحياة لا يُمكنها أن تزدهر بدون وهم، معتبرًا أن الأوهام ليست مجرد هروب وإنّما شرط أساسي للإبداع والقوة.. لم يكن ليقصدَ خداعًا ساذجًا، بل قصد تلك البنى الرمزية التي نحتمي بها من قسوة الواقع.
إنّ أخطر ما في الوهم ليس زيفه، بل كونه يعمل فينا بصمت. فيتسلَّل إلى أفكارنا حتى نظنه جزءًا منّا، ونبني عليه قراراتنا، ونُدافع عنه كما لو كان حقيقة. وهنا لا يعود الفرق واضحًا بين ما نعرفه وما نحتاج إلى تصديقه.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الوهم بوصفه غشاوة واقية تسمح للوعي ألا ينهار تحت وطأة الوقائع الموجعة؛ حيث يغدو الوهم مرتديًا ثوب الدافعيّة..
ففي علم النفس يصف بعض المنظرين “الوهم الإيجابي” بأنه قدرة الفرد على النظر إلى نفسه ومستقبله بتفاؤل غير مبرر. حيث أظهرت بعض الدراسات أنّ الأشخاص الذين يُعانون من اكتئاب سريري غالبًا ما يكونون أكثر واقعية في تقدير قدراتهم، بينما يتمتّع الأصحاء بنوع من “الانحياز نحو التفاؤل” الذي يدفعهم للاستمرار. وهذا يعني أنّ الوهم ليس عيبًا في البرمجية العقلية البشرية، بل هو جزء من تصميمها.
لكن الحديث عن ضرورة الوهم لا يعني الدفاع عن أي نوع من الخداع. فثمة فرق جوهري بين الوهم الذي يُوسع قدرة الإنسان على الحياة، والوهم الذي يسلب منه إرادته وحريته. فالوهم البنّاء هو ما يظل واعيًا بحدوده، إذ يُمكن للإنسان أن ينزع عنه غطاءه مؤقتًا عندما تدعو الضرورة، فيستعيد صلته بالواقع من دون أن ينهار. أمّا الوهم المُدمر فهو الذي يتحوَّل إلى أيديولوجيا مغلقة أو إدمان على الهروب، فيجعل صاحبه أسير سراب لا يريد له أن يتبدّد.
قد يقول بعضهم: لماذا لا تُسمي الأشياء بمسمياتها فتُسمي التفاؤل تفاؤلاً والوهم وهمًا؟ والحق أنّ ذلك لا يُغيِّر من معادلة الحقيقة.. إذ إنّ التشبث بهذا التفكير ليس بمعزل عن شبح الحقيقة في نهاية المطاف.
ربما تكون الفلسفة الوجودية من أكثر المدارس إمعانًا في تفكيك هذه المعضلة. فسارتر مثلاً يرى أنّ الإنسان مسؤول عن صنع المعنى في عالم لا يحظى بمعنى جوهري. وهذه المسؤولية الهائلة تستدعي نوعًا من شجاعة الوهم، ليس أقلَّها اختيار أن نمنح حياتنا أهدافًا على الرغم من علمنا بأنّ الكون غير مكترث بها.
كذلك يُشير الفيلسوف الألماني فاينغر إلى أنّ البشر يعيشون بفضل مجموعة من الأوهام العملية التي يتعاملون معها كما لو كانت حقائق، إذ إنّ هذه الأفكار لا يُمكن البرهنة عليها يقينًا، ومع ذلك فالحياة تصبح مستحيلة من دونها.
والحقُّ أنّ المشكلة ليست في وجود الوهم، بل في غيابه التام أو حضوره المطلق. فإذا ما اختفى انهار المعنى تحت ثقل الحقيقة. وإذا ما سيطر ضاع الإنسان في كواليس الخديعة.. ولكأنّ الحكمة تكمن في أن نُدرك أننا لا نرى العالم كما هو، بل كما نستطيع أن نتحمّله. وفي أن نبني حياتنا على أوهام ضرورية، لكنّنا نحتفظ بالقدرة على خلعها عندما يحين وقت المواجهة، تمامًا كما لو كُنّا نخلع نظارةً شمسيّة عند دخول غرفة مظلمة.










































