اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ حزيران ٢٠٢٦
إبراهيم الوافي
بين الشعر والسرد تاريخٌ طويل من التعالق المثير، حتى ليبدو الفصل بينهما نوعًا من التعسف النقدي أكثر منه حقيقةً أدبية، فاللغة التي تصنع القصيدة هي ذاتها التي تنسج الحكاية، والخيال الذي يقود الشاعر إلى المجاز هو نفسه الذي يأخذ السارد إلى احتمالات السرد ومغامراته، وبالتالي فإن الفوارق بينهما في كثير من الأحيان لاتبدو أكثر من اختلاف في هيئة القول دون جوهره، أو في طريقة الوصول إلى الإنسان، ومع ذلك فإن المتأمل في الذاكرة العربية القديمة يلحظ أن العرب اختاروا الشعر، وبالأخص الشعر البيتي، ليكون ديوانهم الأكبر ووعاء تاريخهم الأوسع، فيه حفظوا أنسابهم وأيامهم وحروبهم ومفاخرهم وحتى انكساراتهم، لذلك لم يكن غريبًا أن يتصدر الشاعر الذكر المشهد الثقافي قرونًا طويلة، بينما ظل ظهور المرأة الشعرية دائما على استحياء، أو عبر استثناءات نادرة تفرضها الحوادث أكثر مما يفرضها السياق الثقافي نفسه، فالخنساء على سبيل المثال، لم تصل إلينا بوصفها شاعرة متعددة الأصوات والموضوعات، بل بوصفها أختًا تبكي أخاها، حتى إن التاريخ يكاد يختزل تجربتها كلها في مراثي صخر، وكأن الشعر الأنثوي لم يكن مسموحًا له بالعبور إلا من بوابة الحزن الذكوري! وبعدها بقرون حين أزهرت الأندلس بالحضارة والفنون، ظهرت ولادة بنت المستكفي، غير أن حضورها في الذاكرة العربية ظل مشدودًا إلى علاقتها بابن زيدون بقدر ما هو مشدود إلى شعرها ذاته، فالرواة في تاريخنا القديم ظلوا يبحثون دائمًا عن الرجل خلف الشاعرة لا عن الشاعرة نفسها، ويبدو أن هذا البعد الإقصائي لم يكن نتاج أفراد بقدر ما كان انعكاسًا لبنية ثقافية كاملة، ويكفي أن نتأمل عنوان كتاب ابن سلام الجمحي «طبقات فحول الشعراء» لندرك كيف كانت الفحولة جزءًا من تعريف الشعر ذاته، فالعنوان لا يكتفي بتصنيف الشعراء، بل يكشف ضمنًا عن تصور ثقافي يرى الإبداع الشعري فضاءً ذكوريًا خالصًا ممثلا بمفهوم الفحولة، غير أن المفارقة الجميلة جاءت من قلب هذا التاريخ نفسه، فحين بدأ عمود الشعر القديم يتصدع أمام تحولات العصر، لم يكن الرجل هو من حمل المطرقة الأولى، بل امرأة عراقية اسمها نازك الملائكة بقصيدتها «الكوليرا» فتحت نافذة جديدة للقصيدة العربية، وأعلنت أن الإيقاع يمكن أن يتحرر من سلطته القديمة دون أن يفقد شعريته، وفي الجهة الأخرى من المشهد، يبدو السرد أكثر رحابة في علاقته بالأنثى، فبينما تتزاحم أسماء الشعراء في الذاكرة العربية، لا يعلو في فضاء الحكاية اسم على شهرزاد؛ تلك المرأة التي أنقذت حياتها بالكلمات، وحولت السرد إلى قوة قادرة على تأجيل الموت نفسه، ومنذ ذلك الوقت بدت الحكاية أكثر استعدادًا لاحتضان الصوت الأنثوي، وأكثر مرونة في استقبال تفاصيله اليومية وهواجسه الدقيقة، وربما لهذا السبب تحديدًا وجدت كثير من الأصوات النسائية الحديثة في قصيدة النثر موطنًا أكثر اتساعًا من القصيدة البيتية، فهذه القصيدة التي تخلت عن إرث الفحولة الإيقاعية الصارمة، أتاحت للأنثى أن تكتب العالم من نافذتها الخاصة، وأن تمنح التفاصيل الصغيرة قيمة وجودية كاملة، وهكذا بينما ظل الشعر القديم يرتدي عباءته الذكورية قرونًا طويلة، جاءت الأشكال الشعرية الجديدة لتمنح القصيدة فرصة أخرى كي تصغي إلى نصف العالم الذي طال صمته، وتكتشف أن الوجود لا يُروى بصوتٍ واحد، وأن الحقيقة الإنسانية كلما تعددت وجوهها ازدادت اكتمالًا واحتمالًا معاً.










































