اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ نيسان ٢٠٢٦
الهنوف بن حسان
حسب بوصلة رؤية 2030 لم يعد التنبؤ بالمستقبل كافياً لصنّاع القرار ولا للمستثمرين ولا حتى للدول.. فالمستقبل لم يعد حدث ننتظره بل مشروع نصنعه. ومن هنا تنطلق الفكرة الجوهرية التي تعيد تعريف علاقتنا بالغد: المستقبل لا يُتوقع… بل يُستثمر فيه.
هذه العبارة ليست طرحاً فلسفياً مجرداً، بل هي جوهر التحول العميق الذي يقوده الأمير محمد بن سلمان، حيث انتقلت المملكة من منطق التكيّف مع المتغيرات إلى منطق 'التأثير فيها' ومن اقتصاد يرتكز على الموارد إلى اقتصاد يصنع القيمة عبر الإنسان والمعرفة والابتكار.
لقد أصبحت الرؤية إطاراً عملياً يعيد صياغة مفهوم المستقبل ذاته ليس بوصفه احتمالات تنتظر التحقق، بل كمساحة مفتوحة لصناعة الفرص وتوجيه المسارات، ولعقود طويلة كانت الاقتصادات تُبنى على قراءة المؤشرات ومحاولة استشراف ما قد يحدث ..
إلا أن التحولات التكنولوجية المتسارعة وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي فرضت واقعا جديدا لم يعد فيه التوقع كافيا.
فالدول التي تكتفي بالمراقبة تتراجع.. بينما تتقدم الدول التي تستثمر في تشكيل المستقبل.. ومن هنا لم يعد الاستثمار مجرد تدفقات مالية بل أصبح استثمارا في الإنسان والشباب تحديداً بوصفهم المحرك الأول وفي المعرفة باعتبارها أساس التقدم وفي الابتكار كأداة لإعادة تشكيل الأسواق وفي القطاعات الواعدة التي ترسم ملامح الاقتصاد الجديد.
وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في رؤية 2030 التي لم تُبنَ على فرضيات تقليدية بل على قراءة استراتيجية عميقة للتحولات العالمية.
فهي تنطلق من سؤال: ماذا سيحدث؟ بل من سؤال أكثر جرأة: ماذا يجب أن نصنع؟ ومن هذا المنطلق جاءت المشاريع الكبرى والاستثمارات النوعية التي لا تستهدف اللحظة الراهنة فحسب بل تمتد آثارها لعقود قادمة لتعيد تشكيل موقع المملكة في خارطة الاقتصاد العالمي وتعزز قدرتها على المنافسة والاستدامة.
وفي قلب هذا التحول يبرز الشباب بوصفهم الرهان الحقيقي إذ لا يمكن بناء مستقبل دون تمكين العقول القادرة على صناعته لذلك وضعت الرؤية تنمية القدرات البشرية في صميم أولوياتها إيماناً بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة وتأثيرًا.
وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين من ينتظر الفرص ومن يصنعها.. فالأول يظل رهينة للظروف بينما الثاني يعيد تشكيلها وفق رؤيته.
فالاقتصاد الحديث لم يعد يقيس قوته بما تملكه الدول من موارد طبيعية بل بما تنتجه من أفكار وما تطوره من تقنيات وما تبنيه من نماذج أعمال مبتكرة.. وهذا ما يفسر صعود الكيانات الرقمية التي استطاعت خلال فترة وجيزة أن تتجاوز في قيمتها شركات تقليدية عريقة، لأن القيمة الحقيقية لم تعد في المادة بل في القدرة على الابتكار.
في هذا السياق أعاد الأمير محمد بن سلمان تعريف مفهوم التخطيط للمستقبل ليس باعتباره تمرينا على التوقع بل كفعل استراتيجي قائم على الاستثمار في الممكن، وصناعة التحول وهكذا لم تعد الرؤية مجرد خطة تنموية بل أصبحت بوصلة اقتصادية و فكرية تعيد تشكيل العلاقة بين الحاضر والمستقبل.
فالمستقبل لا يُنتظر بل يُبنى.. ولا يُتوقع بل يُستثمر فيه.










































