اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
'جمعية حياة الطفل' تجربة وطنية تسعى لترسيخ 'تخصص حياة الطفل' داخل البيئة الصحية في المملكة، والعمل على تطوير برامج ومبادرات إنسانية تعزز حضور هذا المجال في المستشفيات، بجهود تتقاطع مع التحولات التي يشهدها القطاع الصحي ومع مستهدفات رؤية 2030 التي تعزز جودة الحياة..
في الممرات التي تعبرها خطوات الأطفال نحو غرف العلاج تتشكل حكايات إنسانية لا تظهر في التقارير الطبية ولا تُكتب في ملفات المرضى. هناك يتجاور الألم مع الرجاء، وتبحث الطفولة عن مساحة تطمئن فيها إلى أن العالم الذي تغيّر فجأة ما يزال قادرًا على فهمها، وفي تلك المساحات الهادئة تولد أحيانًا مبادرات إنسانية تبدأ من قصة شخصية عميقة، ثم تتسع لتصبح أثرًا ممتدًا في حياة الآخرين.
في المملكة العربية السعودية يتنامى حضور 'تخصص حياة الطفل' عبر مبادرات إنسانيّة تقودها 'جمعية حياة الطفل'، بدعمٍ إنساني جدير من مبادرة 'واحة عبدالرحمن' التي تعزز البيئة العلاجية الداعمة للأطفال المرضى داخل المستشفيات.
ووراء مبادرة 'واحة عبدالرحمن' تقف قصة إنسانية تركت أثرها في ولادة هذا المسار، حيث كان الشاب عبدالرحمن بن فهد الثنيان -رحمه الله- ينشر الحب والفرح أينما ذهب بقلبٍ مليء بالتفاؤل، باحثًا عن مسارات نبلٍ وجمالٍ لإضفاء البهجة على حياة الآخرين، كان يعتز بكلّ لحظةٍ من الحياة، وعلى الرغم من صغر سنه، إلا أنه كان مثالًا للولاء والنبل، وترك دروسًا لا تقدّر بثمن، كان منها إلهام رحيله الصعب في سن مبكرة إلى إنشاء هذه الواحة، لتستمر بها ما تميز به من الحب والرحمة.
فبعد فقده المرير، اختار والداه أن تتحول ذكراه إلى عملٍ إنساني باقٍ يحمل اسمه ويمنح الأطفال المرضى شيئًا من الطمأنينة في لحظات العلاج، فخلال رحلة علاجه خارج المملكة تعرّفت أسرته على حضور 'تخصص حياة الطفل' في عددٍ من المستشفيات العالمية، ذلك التخصص الذي يقترب من عالم الطفل ويشرح له ما يحدث حوله ويمنحه مساحة لفهم التجربة الطبية بعيدًا عن الغموض والرهبة؛ ومن تلك التجربة الإنسانية العظيمة وُلدت فكرة المبادرة لتفتح داخل المستشفيات السعودية مساحة أوسع للطفولة حتى في أصعب اللحظات؛ لتكون رحلة كل طفل علاجية، أكثر أملاً وأقل ألماً!
وفي هذا السياق تقدم 'جمعية حياة الطفل' تجربةً وطنيةً تسعى إلى ترسيخ هذا التخصص داخل البيئة الصحية في المملكة، والعمل على تطوير برامج ومبادرات تعزز حضور هذا المجال في المستشفيات، بجهودٍ تتقاطع مع التحولات التي يشهدها القطاع الصحي في المملكة ومع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تعزز جودة الحياة وترتقي بتجربة المستفيدين من الخدمات الصحية.
يقول الأستاذ فهد بن ثنيان الثنيان، رئيس مجلس إدارة جمعية حياة الطفل: 'في المستشفى عالمٌ جديد يواجهه الطفل فجأة؛ مهمتنا أن نجعل هذا العالم أقرب إلى فهمه وأكثر طمأنينةً لقلبه'. وهذا التوجه نجده منعكسًا على البرامج والمبادرات التي تعمل الجمعية على تطويرها، والتي تعكس فهمًا عميقًا لتجربة الطفل داخل المستشفى. من هذه المبادرات برنامج 'واحة البهجة' الذي يركز على تحسين البيئة الداخلية للمستشفيات لتكون أكثر ملاءمة للأطفال، عبر تصميم مساحات للعب وتنظيم أنشطة تفاعلية تمنح الطفل شعورًا أقرب إلى حياته الطبيعية خارج المستشفى.
كما يحضر البعد النفسي في برنامج 'قلوب مطمئنة' الذي يعنى بتعزيز مهارات الدعم العاطفي لدى الممارسين الصحيين، ويعمل على تطوير طرق التواصل مع الأطفال أثناء الإجراءات الطبية، بما يمنح الطفل شعورًا أكبر بالأمان ويخفف من التوتر المصاحب للعلاج.
وفي جانب آخر تتجه الجمعية نحو البناء الأكاديمي للتخصص عبر برنامج 'جوهرة حياة الطفل' الذي يعمل على تطوير البرامج التعليمية المرتبطة بهذا المجال وتعزيز التعاون مع الجامعات لإطلاق برامج دراسات متقدمة تسهم في إعداد كوادر متخصصة قادرة على تطوير هذا المسار المهني داخل المملكة.
كما تتضمن المبادرات برنامج 'أقل ألمًا وأكثر أملًا' الذي يعنى بتطوير ممارسات التعامل مع الألم لدى الأطفال داخل المستشفيات وفق أساليب طبية تراعي الجوانب النفسية للتجربة العلاجية.
ويكتمل هذا المسار عبر برنامج 'سفراء حياة الطفل' الذي يسعى إلى نشر المعرفة بهذا التخصص وتعزيز حضوره في المجتمع والقطاع الصحي من خلال بناء شراكات مهنية والمشاركة في المؤتمرات والفعاليات العلمية المتخصصة.
هذه المبادرات ليست ترفيهًا عن الأطفال بل إعادة صياغة التجربة العلاجية للطفل داخل المستشفى فعلًا، فحين يجد الطفل مساحةً للعب داخل جناح العلاج، وكلمات تشرح له ما يحدث بلغة يفهمها، ووجوهًا تقترب من عالمه الصغير، تتغير صورة المستشفى في ذاكرته بالكامل.
المستشفى في تجربة الطفل مساحة إنسانية تتقارب فيها الرعاية مع الطمأنينة، ويجد الطفل فيها من يشرح له ما يحدث ويقترب من عالمه الصغير، وحضور اختصاصي حياة الطفل يمنحه فهمًا وطمأنينة، ومع هذه المبادرات تتشكّل في المملكة تجربة واعدة تعزز حضور 'تخصص حياة الطفل' داخل المنظومة الصحية، وتفتح داخل المستشفى مساحة أوسع للطفولة حتى في أكثر اللحظات حساسيّة ورهبة..










































