اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٨ أيار ٢٠٢٦
أياً كانت مقادير التباعد المنطقي والمفهومي، فكيف بالتقارب الفعلي الملموس، بين العناصر الأربعة في عنوان هذه السطور؛ فإن قاسماً مشتركاً يجمع بينها، ويلقي بها في سلّة واحدة يضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نصب عينيه، ويطلق عليها تسمية «استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب».
هي، من وجهة توصيف ثانية، وثيقة من 16 صفحة، حسب نسخة الـPDF الرسمية، تتصدرها صفحة تقديم من ترامب نفسه، وتتوزع على مدخل (بعنوان طريف: «الجيد مقابل الرديء في مكافحة الإرهاب»!)؛ و10 فصول تتناول مسائل مكافحة الإرهاب لجهة التهديد، والاستراتيجية، والمبادئ، والأولويات، والأهداف، والمصادر، والدبلوماسية الرئاسية، والمنطقة، وأسلحة الدمار الشامل، ومبدأ أمريكا أولاً…
وأمّا المهندس فإنه عضو مجلس الأمن القومي ومساعد الرئيس سيباستيان غوركا: البريطاني الولادة، هنغاري الأصول، أمريكي التجنس، المحافظ المقرّب من دوائر أوروبية يمينية متطرفة وميليشياتية وفاشية (على غرار «فيتيس» و»ماجيار غاردا»)، الذي خدم في ولاية ترامب الأولى (ضمن «مجموعة المبادرة الاستراتيجية») كما يخدم في الثانية (بتوصية دائمة من ستيف بانون)، وأحد أشرس صقور التشدد في شؤون الأمن القومي الأمريكي عموماً، ومعاداة اليسار والإسلام وأوروبا العلمانية خصوصاً.
آراؤه حول الإسلام مثال بالغ الدلالة حول روحية تفكيره والقواعد الذهنية التي تحكم مواقفه، إذْ يساجل بأنّ الإرهاب الإسلامي ينبثق من كون الإسلام عقلية إرهابية أصلاً، فلا يتحرّج بالتالي من تهمة الإسلاموفوبيا التي ساقها ضده كتّاب وصحافيون وأكاديميون وساسة. وكان في عداد مهندسي الظلّ، والأشدّ تحمساً في العلن، للأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب بمنع دخول الولايات المتحدة لرعايا سبع دول ذات غالبية سكانية مسلمة؛ ويتردد أنه كان أوّل هامس في أذن الرئيس بتعبير «الإسلام الراديكالي». وقد تشاجر مع زملائه في مجلس الأمن القومي، مراراً، في ملفات عديدة أبرزها تأكيده بأنّ رئاسات جورج بوش الابن وباراك أوباما أغفلت الجوانب الإيديولوجية في الإرهاب الإسلامي؛ الأمر الذي استفاض في مناقشته على صفحات كتابه الأوّل «دحر الجهاد: حرب قابلة للظفر».
ومن دون كبير اختزال لمحتوى الاستراتيجية الأحدث، لأنها في نهاية المطاف ليست جديدة تماماً ولا مبتكرة، يجوز الركون إلى خلاصة الصفحات الـ16 في ما تتوصل إليه الوثيقة من «أنماط الجماعات الإرهابية» الثلاث: المخدرات والعصابات العابرة للأمم، وإرث الإرهاب الإسلامي، ومتطرفو الجناح اليساري العنفي وبينهم الفوضويون والمعادون للفاشية. وللتوضيح، الذي قد يكون ضرورياً للبعض، فإن العداء للفاشية، أو الـantifa في الاختصار الأمريكي الشائع، طراز من الترهيب في ناظر الاستراتيجية الراهنة؛ وهو، استطراداً، لا يُقارَن من حيث العنف أو الخطورة أو الترهيب، بأيّ نمط يميني أو يميني متطرف أو حتى فاشي يعادي الديمقراطية أو حقوق الإنسان والآخر، ولا بأيّ من تيارات العنصرية والتفوق العرقي ومزاعم العلوّ الحضاري.
لا عجب، والحال هذه، أن تحتل أوروبا، في تشخيص الاستراتيجية الراهن، موقع ميدان الخطورة وحاضنتها في آن معاً، لا لأيّ سبب آخر يسبق علمانية بعض الأنظمة الحاكمة، وتساهلها في السماح لعقائد أخرى بالتعايش مع القيم الحضارية الغربية، وفتح الأبواب أمام موجات الهجرة وما تنطوي عليه من تنشئة لأفكار التطرف، وفصل الدين عن الدولة، والسماح للإيديولوجيات اليسارية بالنشاط والتأثير على صناديق الاقتراع. القارّة العجوز في قاع السلّة الترامبية، إذن، خاصة وأنّ خيارات الإدارة الراهنة «عادت إلى الصواب» في التعامل مع الشركاء الأوروبيين، كما تقول الوثيقة؛ واعتمدت سياسة قائمة على الواقع والواقعية (ولكنها لا تتطرق إلى خصومات ترامب المتعاقبة مع «الشركاء» هؤلاء، على أصعدة شتى لا تبدأ من الرسوم الجمركية ولا تنتهي عند الأطماع الجغرافية التوسعية).
صحيح أنّ رؤساء أمريكيين سابقين، في العقود الحديثة تحديداً، لم يكترثوا بعناء تسطير استراتيجة خاصة تحت عنوان مكافحة الإرهاب، إلا أنهم لم يتأخروا في هذا الشأن كلٌ على طريقته، جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين؛ وبالتالي فإنّ ترامب ليس فارس هذا الميدان الوحيد، حتى إذا كان أشدّهم إدقاعاً وضحالة وصلافة وصفاقة.
جورج بوش الابن، خلال خطابه بتاريخ 6/10/2005 في «المعهد الوطني للديمقراطية»، سجّل واحدة من ذرى التقاء الخطّ المتشدّد للمحافظين الجدد إزاء الإسلام، مع المزاج الشخصي التبشيري وشبه العصابي عند رئيس أمريكي أنس في ذاته جبروت محاربة الشرّ. يومذاك قلّب بوش الرأي في التسميات والمصطلح، قبل أن يستقرّ على الصيغة المفضّلة عنده: «البعض يطلق على هذا الشرّ تسمية الراديكالية الإسلامية، والبعض الآخر يعتبره جهادية إسلامية، ويوجد كذلك مَن يسمّيه إسلامو ـ فاشية. هذا الشكل من الراديكالية يستغلّ الإسلام لخدمة رؤيا سياسية عنيفة عمادها التأسيس، عن طريق الإرهاب والانحراف والعصيان، لإمبراطورية شمولية تنكر كلّ حرّية سياسية ودينية».
وبعد هذا الاستهلال، الذي مزج المقدّمات الديماغوجية بنتائج تبسيطية تلفيقية، ختم بوش تلك الخطبة (التي لم تجانب أسبوعية «نيوزويك» الأمريكية الصواب حين اعتبرتها «قنبلة عقائدية») على هذا النحو: «إنّ الراديكالية الإسلامية، مثل الإيديولوجيا الشيوعية، تحتوي على تناقضات موروثة تحتّم فشل تلك الراديكالية. وفي كراهيتها للحرّية، عن طريق فقدان الثقة في الإبداع الإنساني ومعاقبة التغيير والتضييق على إسهامات نصف المجتمع، تنسف هذه الأيديولوجيا السمات ذاتها التي تجعل التقدّم الإنساني ممكناً، والمجتمعات الإنسانية ناجحة».
باراك أوباما اتخذ الإجراء الدراماتيكي الذي لم يسبقه إليه أحد من ساكني البيت الأبيض، حين وضع قرابة 675 مليون آدمي مسلم، فضلاً عن بضعة ملايين من المسيحيين المواطنين في دول عربية أو مسلمة أو مسيحية تضمّ رعايا مسلمين، على لائحة «الإرهاب الدولي». وإلى جانب كوبا وإيران وسوريا وليبيا المصنّفة أصلاً في عداد «الدول الراعية للإرهاب»، أضافت إدارة أوباما تصنيفاً جديداً هو «الدول الميّالة إلى الإرهاب» شمل السودان والجزائر والعراق ولبنان والمملكة العربية السعودية واليمن والصومال، فضلاً عن أفغانستان والباكستان ونيجيريا.
وفي حصيلته المتنوعة، الديموغرافية والجيو ـ سياسية والتاريخية، لم يكن هذا الانتقاء بمثابة إحالة فجّة إلى شذرات من فلسفة المحافظين الجدد، حول أنساق الوقاية من «الإرهاب» عن طريق سدّ منابعه أو تجفيفها نهائياً، فحسب؛ بل كان إعادة إنتاج، مقنّعة في قليل أو كثير، لعقيدة جيمس وولزي، المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية، حول «الحرب العالمية الرابعة المفتوحة».
وخلال حقبة غزو العراق واحتلاله، كان وولزي قد عرض عقيدته في اجتماع شهير حضره اثنان من عتاة «مجلس سياسات الدفاع»، هما بول ولفوفيتز وإليوت كوهين، ولخّصها هكذا: الحرب الباردة كانت الحرب العالمية الثالثة، وأمّا حرب الولايات المتحدة ضدّ الإرهاب، فإنها الحرب العالمية الرابعة. هي طويلة الأمد، وقد تستغرق 100 عام، وتنبسط على مستويات إقليمية وقارّية؛ كما أنّ أشكال القتال فيها لا تقتصر على العمل العسكري، بل تنطوي على مختلف أنماط التدخّل، بما في ذلك الانقلابات العسكرية والاغتيالات الفردية؛ وأمّا العدو فيها، فهو واحد وحيد: «الإسلام السياسي».
والأمثلة أكثر من أن تُسرد هنا، ولعلّ المرء، كلما صدرت سلّة عن إدارة أو أخرى تزعم طرائق محاربة الإرهاب، يستعيد السير مايكل هوارد، المؤرّخ البريطاني الأخصائي بتواريخ الحروب، الذي اعتبر أنّ الصراع ضدّ الإرهاب ليس حرباً؛ فتساءل عمّا إذا كانت تسمية «الحرب» تمنح الفريق الثاني، أي «الإرهابيين» أنفسهم، صفة شرعية تستوجب حصولهم على الحقوق، مثل خضوعهم للواجبات، المنصوص عنها في المواثيق الدولية الخاصة بالحروب؟
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس












































