اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
تضع تقارير البنك الدولي الاقتصاد الأردني أمام معادلة دقيقة تبدأ باستقرار نقدي ومالي حافظ على قدرة الدولة على مواجهة الصدمات، يقابله نمو اقتصادي لم يتحول بعد إلى تحسن كافٍ في الدخول وفرص العمل ومستويات المعيشة. وهذه المفارقة تفرض سؤالاً يتجاوز سلامة المؤشرات الاقتصادية إلى من يتحمل كلفة الاستقرار، ومن يحصل على عوائد الإصلاح والنمو؟
لقد نجح الأردن في حماية استقراره النقدي واحتواء جانب من الاختلالات المالية رغم الأزمات الإقليمية وارتفاع كلف الطاقة والتمويل. غير أن توقعات النمو التي تدور حول 3% على المدى المتوسط تظل متواضعة قياساً بحجم التحديات السكانية والتشغيلية. ومع بلوغ البطالة بين الأردنيين نحو 21% في الربع الثاني من عام 2026، تتضح محدودية قدرة النمو الحالي على استيعاب الداخلين إلى سوق العمل، خصوصاً الشباب والنساء.
تكمن المشكلة في طبيعة النمو وتوزيع عوائده أكثر من معدله المجرد. فالنمو المدفوع بقطاعات محدودة التشغيل، أو بأنشطة ذات ارتباط ضعيف بسلاسل الإنتاج المحلية، قد يرفع الناتج دون أن يولد وظائف ودخولاً كافية. كما أن تحسن المؤشرات المالية لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية، خصوصاً عندما تستهلك النفقات الأساسية حصة متزايدة من دخل الأسرة. وعليه، فإن الحكم على جودة النمو يستدعي قياس أثره في الأجور الحقيقية، والتشغيل المنتج، وتوزيع الفرص بين المحافظات، وليس الاكتفاء بمعدل الناتج المحلي.
وتبرز هنا إشكالية أعمق تتعلق بالتفاعل بين السياسة المالية والنشاط الاقتصادي. فترشيد الإنفاق وضبط العجز ضروريان لاستدامة المالية العامة، لكن طريقة تنفيذهما تحدد أثرهما الاجتماعي. فزيادة الضرائب غير المباشرة أو رفع كلف الخدمات الأساسية قد يحسن الإيرادات، لكنه يضغط على الاستهلاك المحلي، ويؤثر بصورة أكبر في الأسر محدودة الدخل، وقد يضعف مبيعات المنشآت الصغيرة. وفي المقابل، فإن تحسين كفاءة الإنفاق، والحد من الهدر، وتوسيع الامتثال الضريبي، وتوجيه الموارد نحو البنية الإنتاجية، يمكن أن يعزز الاستقرار دون تحميل الفئات الأضعف كلفة غير متناسبة.
ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة المديونية والتمويل الخارجي. فالاقتراض ليس مؤشراً سلبياً بذاته إذا مول استثمارات ذات عائد اقتصادي واجتماعي يتجاوز كلفته، لكنه يصبح عبئاً عندما تتسع خدمة الدين على حساب الإنفاق التنموي. ومن هنا، ينبغي ألا يقاس نجاح التمويل بحجمه أو بشروطه الميسرة وحدها، بل بقدرته على زيادة الإنتاجية والصادرات والإيرادات المستقبلية وخلق وظائف مستقرة. فالمعيار الحقيقي هو العائد الصافي الذي يتركه كل دينار مقترض في الاقتصاد والمجتمع.
أما سوق العمل، فيكشف عن خلل مزدوج يتمثل في محدودية الطلب على العمالة وضعف المواءمة بين المهارات والوظائف. ولا يمكن للتوسع في التعليم والتدريب وحده معالجة البطالة إذا بقي الاستثمار المنتج عاجزاً عن خلق فرص جديدة. المطلوب ربط الحوافز الاستثمارية بالتشغيل والتدريب والأجور ونقل المعرفة، وإعادة بناء العلاقة بين المؤسسات التعليمية والشركات، بحيث تصبح المهارات استجابة لاحتياجات اقتصادية فعلية، لا مجرد شهادات إضافية في سوق مشبعة بالباحثين عن عمل.
وتتضاعف الكلفة الاجتماعية عندما تتفاوت فرص الاستثمار والخدمات بين العاصمة والمحافظات، أو تعجز النساء عن دخول سوق العمل بسبب النقل ورعاية الأطفال وظروف العمل. فهذه الاختلالات لا تمثل قضايا اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد، وإنما طاقات إنتاجية معطلة تحد من النمو والإيرادات والطلب المحلي. كما أن الوظائف منخفضة الأجر وغير المشمولة بالحماية الاجتماعية قد تخفض البطالة إحصائياً دون أن تقلص الفقر أو الهشاشة الاقتصادية فعلياً.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تقوم السياسة الاقتصادية على حدود واضحة لما يجوز وما لا يجوز. يجوز ضبط الإنفاق وإصلاح الدعم وإعادة هيكلة المؤسسات وتحفيز الاستثمار، شريطة قياس أثر كل قرار على التشغيل والدخل والفقر والقدرة الشرائية. أما ما ينبغي تجنبه فهو ترحيل كلفة الإصلاح إلى الأسر الأقل دخلاً، أو تقليص الخدمات الأساسية دون بدائل فعالة، أو منح إعفاءات وحوافز لا تحقق عائداً إنتاجياً قابلاً للتحقق، أو التوسع في الاقتراض لتمويل نفقات لا تعزز القدرة المستقبلية على السداد.
ويحتاج الأردن إلى إطار عملي لتقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي قبل اتخاذ القرارات وبعد تنفيذها، يحدد الفئات المستفيدة والمتضررة، والتغير المتوقع في الأسعار والدخول والوظائف، وأثر السياسات على الموازنة والاستثمار. وينبغي نشر نتائج هذا التقييم بصورة دورية، وربط استمرار البرامج والحوافز بمدى تحقيق أهدافها. فالإصلاح الذي لا يخضع لقياس الأثر والمساءلة قد ينجح محاسبياً دون أن ينجح تنموياً.
وفي المدى القريب، تتقدم أولوية حماية القوة الشرائية وتحسين كفاءة الإنفاق وتخفيف كلف الإنتاج. وفي المدى المتوسط، يصبح توسيع القاعدة الصناعية والتصديرية، وتطوير المهارات التطبيقية، وتحفيز استثمارات المحافظات، أساساً لزيادة التشغيل. أما المدى البعيد فيتطلب اقتصاداً أعلى إنتاجية وأكثر تنوعاً، تنمو فيه الأجور الحقيقية مع الإنتاجية، وتتراجع فيه الحاجة إلى التمويل الخارجي تدريجياً.
إن القضية ليست الاختيار بين الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بل بناء سياسة تجعل الاستقرار أساساً للنمو المنتج، وتجعل النمو مصدراً لتحسين المعيشة. فإذا تحمل المواطن كلفة الإصلاح دون أن يحصل على نصيب عادل من عوائده، تتراجع الثقة بالسياسات مهما تحسنت المؤشرات. وإذا تحولت الإصلاحات إلى وظائف ودخول وخدمات أفضل، أصبح الاستقرار أكثر استدامة.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للاقتصاد الأردني في المرحلة المقبلة لن يكون مقدار النمو الذي تسجله التقارير، وإنما مقدار ما يصل من عوائده إلى الأسر، وما يخلقه من فرص للشباب، وما يحققه من توازن بين المحافظات. فنجاح الإصلاح لا يقاس فقط بما توفره الخزينة، بل بما يضيفه الاقتصاد إلى حياة الناس.












































