اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - هناك نوع من الهجرة لا تصاحبه طوابير ولا ضجيج، ولا يظهر في حياتنا اليومية كأزمة مفاجئة. يبدأ الأمر بطبيب يتلقى عرضاً في الخارج، ومهندس يجد فرصة أفضل، ومبرمج تنتقل خبرته إلى شركة عالمية، وباحث يغادر إلى جامعة توفر له مختبراً وتمويلاً، ثم نستيقظ بعد سنوات لنسأل: أين ذهبت الكفاءات؟
هذه ليست دعوة لمنع الأردني من السفر، ولا لوضع الهجرة في خانة الخطر المطلق. فمن حق الإنسان أن يبحث عن الفرصة التي تناسب طموحه، كما أن الأردنيين في الخارج يشكلون رصيداً مهماً للمملكة بخبراتهم وعلاقاتهم وتحويلاتهم ونجاحاتهم. القضية التي تستحق النقاش مختلفة: هل أصبح اقتصادنا قادراً على إنتاج الكفاءات أكثر من قدرته على الاحتفاظ بها والاستفادة منها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام ملف يستحق أن ينتقل من الحديث الاجتماعي المتفرق إلى صلب التخطيط الاقتصادي.
منذ دخول الطفل المدرسة وحتى تخرجه من الجامعة، تستثمر الدولة والأسرة سنوات طويلة في تعليمه وتأهيله. هناك مدرسة ومعلم وجامعة ومختبر وتدريب وأسرة تدفع من دخلها وتنتظر أن يتحول هذا الاستثمار في النهاية إلى مستقبل أفضل لابنها.
وعندما يغادر صاحب المهارة العالية مباشرة بعد اكتمال تأهيله، لا نخسر إنساناً فقط، بل ينتقل جزء من العائد على ذلك الاستثمار إلى اقتصاد آخر.
الدولة التي تستقبله تحصل على طبيب أو مهندس أو مبرمج جاهز للعمل، بينما تحمل الأردن والأسرة جانباً مهماً من كلفة إعداده.
المشكلة ليست في سفره؛ المشكلة أن المعادلة قد تصبح أحادية الاتجاه: نحن نعلّم، والآخرون يوظفون.
الأخطر ليس عدد المغادرين بل نوعية من يغادر
لا ينبغي أن نقيس هجرة الكفاءات بالأعداد وحدها.
مغادرة متخصص نادر قد تكون أكثر تأثيراً من مغادرة عشرات العاملين في مهنة يوجد فيها فائض. طبيب متخصص يحتاج تدريبه إلى سنوات طويلة، أو باحث متميز، أو مهندس يمتلك خبرة دقيقة، أو مبرمج متقدم يستطيع بناء شركة، يمثل قيمة تتجاوز الرقم المسجل في قوائم المغادرين.
ولهذا نحتاج إلى معرفة دقيقة: ما التخصصات التي نفقدها؟ وأين تذهب؟ ولماذا تغادر؟ وما المهارات التي أصبحت مؤسساتنا تجد صعوبة في استقطابها أو الاحتفاظ بها؟
من دون هذه البيانات سنبقى نتحدث عن «هجرة العقول» كعنوان عام، بينما المشكلة الحقيقية قد تكون مركزة في قطاعات محددة تحتاج إلى تدخل سريع.
الراتب جزء من القصة وليس كلها
من السهل تفسير الهجرة بالفارق في الرواتب، وهو عامل مهم بلا شك، لكنه ليس الوحيد.
صاحب الكفاءة يبحث أيضاً عن بيئة عمل تحترم قدرته، ومسار واضح للترقي، ومؤسسة تمنحه فرصة للتطور، وتمويل للبحث، وأدوات حديثة، وتقدير للإنجاز، وقدرة على اتخاذ القرار وفق الكفاءة.
وقد يستطيع الأردن في حالات كثيرة ألا ينافس أغنى دول العالم على الراتب، لكنه يستطيع المنافسة على نوعية الفرصة.
الباحث الذي يجد مختبراً جيداً وتمويلاً معقولاً ومساحة للعمل قد يختار البقاء.
والطبيب الذي يرى مساراً مهنياً واضحاً قد يعيد حساباته.
والمبرمج الذي يستطيع تأسيس شركة والوصول منها إلى السوق العالمية قد لا يحتاج إلى الهجرة أصلاً.
المطلوب ليس إغلاق الباب أمام الخارج، بل جعل باب الداخل أكثر جاذبية.
الواسطة عدو للكفاءة قبل أن تكون مشكلة اجتماعية
صاحب المهارة يستطيع احتمال راتب أقل لفترة، لكنه يصعب أن يحتمل شعوراً بأن جهده لا يصنع الفارق.
حين يرى الشاب أن التقدم المهني يرتبط بعوامل أخرى غير الإنجاز والكفاءة، تصبح تذكرة السفر أكثر إغراء.
وهنا تتحول العدالة في التعيين والترقية إلى قضية اقتصادية.
كل كفاءة نخسرها لأن صاحبها لم يجد مساحة عادلة للتقدم هي خسارة كان يمكن تجنبها.
الدولة التي تريد الاحتفاظ بعقولها يجب أن ترسل رسالة بسيطة: إذا كنت جيداً، ستجد مكاناً يسمح لك بأن تصبح أفضل.
الجامعات تصنع العقول.. لكنها تحتاج إلى مساحة للاحتفاظ بها
لدينا جامعات تخرج أطباء ومهندسين وصيادلة ومبرمجين وباحثين ومختصين في مجالات متعددة. لكن الجامعة نفسها يجب ألا تبقى محطة تنتهي مهمتها عند تسليم الشهادة.
نحتاج إلى ربط أكبر بين الجامعة والبحث العلمي والشركة والاستثمار.
الطالب المتميز الذي يطور فكرة في مختبر جامعي يجب أن يجد طريقاً لتحويلها إلى براءة اختراع أو شركة.
والباحث يجب أن يستطيع التعاون مع الصناعة.
ومشروع التخرج الجيد يجب ألا ينتهي على رف القسم.
إذا استطعنا بناء اقتصاد حول المعرفة، يصبح لدى صاحب العقل سبب اقتصادي للبقاء.
لا نستطيع الاحتفاظ بالجميع.. ولا ينبغي أن نحاول
الأردن بلد محدود الحجم، ومن الطبيعي أن يعمل عدد كبير من أبنائه في الخارج. بل إن انتشار الأردنيين في اقتصادات متقدمة وأسواق عربية كبيرة يمكن أن يكون ميزة استراتيجية.
لذلك لا ينبغي أن يكون الهدف شعاراً من نوع «وقف هجرة العقول».
هذا غير واقعي، وربما ليس مفيداً أصلاً.
الهدف الأذكى هو تحويل هجرة العقول إلى دورة للعقول.
يخرج الأردني، يكتسب خبرة، ويبقى مرتبطاً ببلده. قد يعود بعد خمس أو عشر سنوات، أو يستثمر فيه، أو يدرب فريقاً أردنياً عن بعد، أو يفتح سوقاً لشركة أردنية، أو يشارك في بحث، أو ينقل تقنية.
عندها لا يصبح السفر خسارة كاملة.
المغترب ليس حوالة مالية فقط
لسنوات طويلة ركز الحديث الاقتصادي عن المغتربين على تحويلاتهم المالية، وهي مهمة، لكن قيمة الأردني في الخارج أكبر بكثير من الحوالة التي يرسلها.
تخيل آلاف الأردنيين العاملين في مستشفيات وجامعات وشركات تكنولوجيا ومؤسسات مالية ومصانع ومراكز أبحاث حول العالم.
هذه شبكة معرفة وعلاقات دولية هائلة.
لماذا لا يكون لدينا سجل اختياري وطني للكفاءات الأردنية في الخارج يربط كل متخصص بالقطاع المقابل داخل المملكة؟
جامعة تحتاج أستاذاً زائراً.
شركة ناشئة تحتاج خبيراً.
مستشفى يريد طبيباً لإجراء تدريب متخصص.
وزارة تعمل على مشروع وتحتاج استشارة دقيقة.
مستثمر أردني في الخارج يريد فرصة مناسبة في المملكة.
نحن لا نطلب من الجميع العودة. نطلب فقط ألا تنقطع العلاقة المهنية بينهم وبين الأردن.
العودة يجب أن تكون مشروعاً لا مناشدة
من يريد إعادة الكفاءة الأردنية لا يستطيع أن يقول لها فقط: الوطن يحتاجك.
الكفاءة تحتاج إلى فرصة.
إذا أردنا عودة باحث، يجب أن يعرف أين سيبحث وبأي أدوات.
إذا أردنا طبيباً، يجب أن يرى مساراً مهنياً مناسباً.
إذا أردنا مهندساً عمل عشر سنوات في شركة عالمية، فلا يمكن أن نعيده إلى بيئة لا تستفيد من الخبرة التي اكتسبها.
الوطنية تستطيع أن تساعد الإنسان في اتخاذ قرار العودة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني له حياة مهنية.
العودة الناجحة تحتاج إلى عرض حقيقي، لا خطاب عاطفي فقط.
الخطر الأكبر عندما يغادر الطموح قبل الإنسان
وهذه ربما النقطة الأخطر.
هناك شاب لم يسافر بعد، لكنه أصبح يخطط منذ السنة الأولى في الجامعة لأن تكون حياته خارج الأردن.
يتعلم اللغة من أجل الهجرة.
يختار التخصص بناء على فرص السفر.
ويبني شبكة علاقاته المهنية خارج البلد قبل أن يدخل سوق العمل المحلي.
السفر بحد ذاته ليس المشكلة، لكن عندما يصبح الخارج هو الخطة الأولى والداخل هو الخطة الاحتياطية، يجب أن ننتبه.
لأن المعركة عندها لم تعد على استعادة من غادر.
أصبحت على استعادة الثقة بأن النجاح الكبير ممكن من داخل الأردن أيضاً.
الحكومة لا تستطيع توظيف كل المتفوقين، ولا ينبغي لها ذلك.
الاقتصاد الذي يحتفظ بالكفاءات هو اقتصاد توجد فيه شركات قادرة على دفع رواتب تنافسية، والاستثمار في البحث والتطوير، ومنح الموظف فرصة للنمو.
لهذا فإن حماية العقول مرتبطة أيضاً بنمو القطاع الخاص.
نريد شركات أردنية تكبر.
شركات تكنولوجيا تصدر.
مصانع تطور منتجات جديدة.
مراكز بحث خاصة.
شركات دواء تنافس عالمياً.
ومؤسسات تستطيع توظيف أفضل الخريجين قبل أن تأتيهم العروض من الخارج.
كل شركة أردنية ناجحة بهذا المستوى هي عملياً حاجز أمام نزيف الكفاءات.
نحتاج إلى خريطة وطنية للعقول
كما نرسم خرائط للمياه والطاقة والاستثمار، نحتاج إلى خريطة للمهارات.
كم طبيباً متخصصاً سنحتاج بعد عشر سنوات؟
كم مهندس ذكاء اصطناعي؟
كم متخصصاً في المياه والطاقة؟
ما المهن التي نخسر أصحابها إلى الخارج؟
وما المهن التي لدينا فيها فائض؟
التخطيط للموارد البشرية يجب أن يصبح أكثر دقة من مجرد عدد المقبولين في التخصصات الجامعية.
لأن الإنسان هو أغلى مورد نملكه.
المشكلة ليست في المطار
هجرة العقول لا تبدأ عندما يحمل الشاب حقيبته ويدخل المطار.
تبدأ قبل ذلك بسنوات.
تبدأ عندما لا يجد فرصة.
عندما لا يشعر بالتقدير.
عندما يصطدم بسقف مهني منخفض.
عندما يرى أن مهارته تستطيع أن تحقق له في الخارج ما لا تستطيع تحقيقه في الداخل.
ولهذا فإن معالجة المشكلة في المطار متأخرة جداً.
الحل يبدأ في المدرسة والجامعة وسوق العمل والشركة والمختبر ونظام الترقي والبيئة الاستثمارية.
الأردن لا يستطيع منافسة العالم بالمال وحده
هناك دول تستطيع تقديم رواتب أعلى بكثير مما يستطيع السوق الأردني تقديمه، وهذه حقيقة اقتصادية.
لكن المنافسة ليست مالاً فقط.
الأردن يستطيع تقديم قرب الإنسان من أسرته ومجتمعه، وبيئة تمنحه فرصة لبناء شيء يملكه، ومساراً سريعاً لتأسيس الشركات، ومكاناً للبحث والتطوير، وجودة حياة جيدة، وفرصة لأن يكون صاحب أثر وليس مجرد موظف في مؤسسة ضخمة.
هذه عناصر لها قيمة أيضاً.
لكنها تحتاج إلى بناء حقيقي، لا شعارات.
أخطر خسارة هي التي لا تظهر فوراً
عندما يغلق مصنع، نرى الخسارة.
وعندما يتعطل مشروع، نعرف قيمته.
لكن عندما يغادر باحث أو طبيب أو مهندس متميز، قد لا يظهر أثر ذلك في اليوم التالي.
وهذا ما يجعل هجرة العقول صامتة.
بعد سنوات فقط نكتشف أن تخصصاً أصبح يعاني نقصاً، أو أن شركة لم تجد المهارة التي تحتاج إليها، أو أن مشروعاً بحثياً لم يولد أصلاً لأن الشخص الذي كان يستطيع قيادته أصبح يعمل في مكان آخر.
الخسارة هنا ليست فقط فيما غادر، بل فيما كان يمكن أن يصنعه لو بقي.
وهذه القيمة يصعب حسابها، لكنها ربما تكون الأكبر.
الأردن لا يستطيع، ولا يجب، أن يغلق أبوابه أمام العالم. الأردني الذي ينجح في الخارج نجاح للأردن أيضاً، ويمكن أن يصبح جسراً اقتصادياً وعلمياً ومعرفياً لبلده.
لكن المطلوب أن نتوقف عن التعامل مع خروج الكفاءة باعتباره حدثاً فردياً لا شأن للسياسة الاقتصادية به.
نحتاج إلى معرفة من يغادر ولماذا، وإلى بيئة تجعل البقاء خياراً جيداً، والعودة خياراً ممكناً، والبقاء في الخارج مع خدمة الأردن خياراً ثالثاً.
فالمعركة ليست على إبقاء كل عقل داخل الحدود.
المعركة هي ألا يخسر الأردن قيمته أينما كان صاحبه.
ولهذا فإن جرس الإنذار لا يجب أن يرن لأن الأردنيين يسافرون.
يجب أن يرن عندما يصبح لدينا جيل كامل يعتقد أن الطريق الوحيد لتحقيق طموحه يبدأ بتذكرة ذهاب.
الهجرة الصامتة للعقول الأردنية تستحق جرس إنذار.. فالدولة التي تستثمر في الإنسان ثم تفقد أثره، تصدّر أغلى ما تملك من دون أن تدرك حجم ما خسرته.












































