اخبار اليمن
موقع كل يوم -الأمناء نت
نشر بتاريخ: ١٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
أتابع المشهد السياسي والعسكري في الجنوب بكل اهتمام، وحاولت كثيرا أن أستوعب هذا السياق الدراماتيكي المتصاعد، ووجدت نفسي أمام حالة مركبة من القلق وخيبة الأمل، خصوصا من بعض المواقف السياسية، بما في ذلك مواقف من أطراف نعتبرهم حلفاء وأشقاء، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية ودول التحالف العربي.
قضية جنوب اليمن ليست وليدة لحظة، ولم يبدأ حضور المجلس الانتقالي الجنوبي من فراغ، بل ظهر في سياق تاريخي وسياسي وأمني معقد، ونتيجة لغزو الحوثيين للجنوب في العام 2015، كاستجابة لاحتياجات وتطلعات شريحة واسعة من أبناء الجنوب الذين وجدوا أنفسهم أمام خطر وجودي حقيقي.
والحقيقة التي يجب أن تقال بإنصاف: إن دول التحالف العربي، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، قدمت دعما حاسما ومقدرا في مواجهة هذا العدوان. وقد تحررت المحافظات الجنوبية، بعد الله، بفضل ثبات وعزيمة أبناء الجنوب، وبدعم مباشر من التحالف العربي. كما لا يمكن إنكار أن القوات الجنوبية كانت، طوال السنوات العشر الماضية، صادقة في مساندة أبناء المحافظات الشمالية، وفي محاولات تحرير صنعاء وبقية المناطق من قبضة الحوثيين.
لكن عدم تحقيق هذه الأهداف لا يمكن، من وجهة نظري، تحميله للمجلس الانتقالي الجنوبي كما يحاول البعض أن يفعل. الإخفاق الحقيقي كان، في جزء كبير منه، إخفاقا للشرعية نفسها، التي لم تستطع أن تقدم نموذجا ناجحا في المناطق المحررة، وخاصة في الجنوب، يشجع أبناء الشمال على الانتفاض ضد سلطة الحوثي.
ورسالتي إلى الإخوة في المملكة العربية السعودية أن أود التذكير بحقيقة جوهرية تتعلق بسلوك جماعة الحوثي السياسي. هذه الجماعة بارعة في عقد الاتفاقات ثم الانقلاب عليها متى ما سنحت لها الفرصة. فعلت ذلك بعد مشاركتها في مؤتمر الحوار الوطني، حين استثمرت العملية السياسية لتطوير نفسها من مجرد ميليشيا مسلحة إلى كيان سياسي، ثم انقلبت على مخرجات الحوار وعلى الدولة وعلى شركائها جميعا. وفعلت الشيء نفسه حين تحالفت مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ثم انقلبت عليه وقتلته بمجرد أن شعرت بأنها أصبحت أقوى منه.
اليوم، وبعد أن دخل الحوثي في مسار تفاهمات مع المملكة العربية السعودية، لا توجد، لمن يقرأ تاريخ هذه الجماعة، أي ضمانة حقيقية بأنه سيلتزم بأي خارطة طريق أو اتفاق سلام. فالعقيدة السياسية لهذه الجماعة قائمة على استخدام الاتفاقات كتكتيك مرحلي، لا كالتزام استراتيجي. ومثلما انتقل الحوثي سابقا من ميليشيا إلى لاعب سياسي عبر الحوار الوطني ثم انقلب على ذلك المسار، فإنه مرشح لأن يكرر السيناريو نفسه مع أي اتفاق جديد متى ما شعر أن ميزان القوة بات لصالحه.
نعلم جميعا أن صنعاء والحديدة ومناطق واسعة من الشمال ما تزال مختطفة بيد جماعة الحوثيين، وأن مناطق أخرى مثل تعز ومأرب تقاوم أي مد لنفوذ الحوثي عليها. وهي سلطة استبدادية تمارس القهر والإقصاء. وقد شهدنا خلال أكثر من عام ونصف كيف توسعت حملات الاعتقال التعسفي التي طالت موظفي الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني والعاملين في المجال الإنساني والدولي والنشطاء والصحفيين. لم يترك الحوثيون صوتا حرا إلا وأسكتوه، ولا جهة مستقلة إلا واستهدفوها.
في المقابل، لم تكن العاصمة عدن كذلك. فقد ظلت، رغم كل الإخفاقات والتجاوزات، مساحة مفتوحة إلى حد كبير للنشطاء والإعلاميين والمدافعين عن حقوق الإنسان. وكثير من الصحفيين والناشطين الذين فروا من بطش الحوثيين وجدوا في عدن مكانا يستطيعون منه مواصلة عملهم. نعم، الوضع ليس مثاليا، لكن الفارق بين عدن ومناطق سيطرة الحوثي فارق جوهري في طبيعة السلطة ومساحة الحريات.
أما بخصوص الحوار الجنوبي–الجنوبي، فهو خطوة مهمة وإيجابية من حيث المبدأ، ويستحق الشكر للمملكة العربية السعودية على رعايته والدعوة إليه. لكن من حيث الجوهر، كان من الأفضل أن ينعقد في عدن لا في الرياض، طالما أنه حوار جنوبي بين أبناء الجنوب. انعقاده في عدن كان سيسمح بمشاركة أوسع، ويمنحه شرعية شعبية ومعنوية أكبر، وينطلق من المدينة التي كانت ولا تزال رمزا لمقاومة المشروع الإيراني في الجزيرة العربية.
لقد رأينا كيف سقطت عواصم عربية كبرى أمام النفوذ الإيراني: بغداد، دمشق، بيروت. لكن الجنوب ظل يرفض هذا المسار، وهذا يحسب لأبنائه وبناته أولا، ثم للدعم الذي تلقاه من التحالف العربي.
كما أنه لا يبدو من الحكمة ولا من الواقعية السياسية الذهاب إلى إقالة أي مكون جنوبي رئيسي، لأن مثل هذه الخطوات ستنتج عنها زعزعة الثقة في جدية ومصداقية الحوار الجنوبي الذي تستضيفه المملكة العربية السعودية، وستفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الضمانات الحقيقية لتنفيذ مخرجاته وتحويلها إلى واقع سياسي مستقر.
أدعو كل أبناء وبنات الجنوب إلى وقفة صادقة مع الذات:
أن نصلح أنفسنا وترشيد توجهاتنا والاستفادة من الممارسات الماضية، وأن نرمم بيتنا الداخلي، وأن نخضع تجاربنا وقوانا السياسية للنقد والمراجعة والمحاسبة البناءة، لا لمنطق التشفي أو الإقصاء. وحده هذا الطريق يمكن أن يجعلنا أقوى في الدفاع عن قضيتنا، وأقدر على انتزاع حقوقنا، وأجدر بأن نكسب احترام العالم ودعم أشقائنا وأصدقائنا.
والله الموفق













































