اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. علي الخشيبان
الإعلام الرقمي القادم عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمتلك مساحته الخاصة؛ وهذه حقيقة مطلقة ولا يجب أن يتم التداخل معها، فهي يجب أن تبقى مفصولة عن الإعلام الرسمي إلا فيما يتجاوز القيم والتقاليد والخطوط الحمراء التي تخص المجتمع، كونها واسعة وتسبح في فضاء رقمي يتجاوز الحدود الجغرافية ولديها هويتها المستقلة، لذلك لندعها تسبح وتعوم في ذلك الفضاء دون صدام معها..
في عالم اليوم لا يوجد مجتمع فوق كوكب الأرض يمكنه ان يعيش معزولا عن التأثيرات التي تتركها وسائل التواصل الاجتماعي على درجة وعيه السياسي والاجتماعي، وعلى قدرته على مقاومة الاستقطاب في توجهاته، وخاصة عندما نتحدث عن الشرق الأوسط او دول الخليج، فالمجتمع السعودي تتجاوز اشتراكات الهاتف المحمول لديه ثلاثة وأربعين مليونا، وهو ما يعادل زيادة بمقدار 125% مقارنة بعدد السكان، وهنا يكمن التحدي في تعريف الكيفية التي يمكن من خلالها التعامل مع درجة الوعي الاجتماعي والسياسي في هذه المجتمعات، ومع الكيفية التي يمكن من خلالها قياس مستوى الاستقطاب الذي يمارس في المجتمع.
الحقيقة الأساسية في فهم هذا الواقع الرقمي الخاص بشبكات التواصل الاجتماعي لابد أن تبدأ من فهم دقيق لمعايير وخصائص الجيل (Z) الذي ولد منغمساً في وسائل التواصل الاجتماعي، وهو الجيل الذي ولد ما بين منتصف تسعينيات القرن الـعشرين وبداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وفي هذه الفترة الزمنية انتشرت الهواتف الذكية وانتشرت وسائل التواصل الاجتماعي وتحولت بسرعة هائلة لتصبح جزءا أساسيا من الحياة اليومية لهذا الجيل الذي ولد مع فكرة التواصل الفوري السريع بينهم، مما أدى الى أن تحوّل الوجود الرقمي الى جزء أصيل في حياتهم وتكوينهم الاجتماعي والثقافي.
جيل (Z) السعودي يمتلك ذات الخصائص العالمية لهذا الجيل، وهذا يعنى الكثير من الحقائق؛ أولها ضرورة مراعاة الفروقات شديدة التباين بين جيل كلاسيكي تقليدي يرى الواقع الإعلامي من خلال تأثير الصحف او التلفزيونات، وبين جيل تجاوز هذه المرحلة عبر قيم التقنية الحديثة، هذه الفروقات بين الأجيال تدعو الى التوقف عن محاولة استعادة قواعد تقليدية وتطبيقها فوق تحولات رقمية حديثة، لأن هذه العملية ستترك آثارها على جيل (Z) ويصبح أكثر عرضة للاستقطاب الذي يمكنه ان يخلق تفاوتا وانقساما مجتمعيا بين جيل يمثل الأكثرية، وبين مسارات تقليدية تقاوم الغياب عن الساحة الإعلامية، وهذا يحدث في كل دول العالم وليست مجتمعاتنا فقط.
السؤال الأهم يدور حول الكيفية الصحيحة لتحقيق المرحلة الانتقالية الضرورية نحو مشهد رقمي واسع يعتمد ديناميكية تدور أبعادها حول فكرة (نحن وهم)، فالتوسع الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي يكرس بشكل تلقائي فكرة نحن والآخر، بمعنى دقيق فإن اختفاء الحدود الجغرافية عبر الفضاء الرقمي دفع هذا الجيل للبحث عن الهوية السياسية وتحديدها بمصطلح (نحن وهم)، وهذه هي هويته التي يلتزم بها مع غياب واضح للحدود الجغرافية والسياسية والاقتصادية في الفضاء الرقمي، ولذلك فإن أي محاولة تقليدية لتجاوز فكرة الالتفاف حول الهوية الرقمية لجيل (Z ) والتي يعبر عنها بكلمة (هم ونحن) سوف تفتح مسارا جديدا من الاستقطاب السلبي، فتوفر المعلومة وبساطة الوصول إليها وانتشارها أضفت طابعا مختلفا على المعرفة، وأصبح الكل مؤهلا للتعامل مع هذه المعولمة، وسمحت المعرفة لكمّ هائل من أفراد المجتمع للمشاركة في المناقشات السياسية والاجتماعية.
الحديث عن الوعي السياسي بمفهومه التقليدي أعتقد أنه يصل الى نهايته اليوم؛ فلم تعد نفس الأدوات التي يمكن من خلالها التحكم في الوعي السياسي موجودة، والسبب كمّ المعلومات الذي خلق بيئة واسعة من الروايات المتناقضة والمعلومات غير الصحيحة التي تتدفق الى أجهزة الأفراد في المجتمع وتشعرهم بالقلق والإرهاق في كثير منها.. وهنا تبدو الازمة، فالإعلام التقليدي المعتاد على معلومات محصورة وقليلة يعتقد ان مهمته تصحيح هذا البحر الهائل من المعلومات فيقع في مشكلة التقييم وتحدي الخطأ من الصواب، بينما الجيل الجديد -ونتيجة للكم الهائل من المعرفة- يصبح غير قادر على التعامل مع تعقيدات المعرفة، لذلك هو يبسطها وفق مفهوم (نحن والآخر) وهنا يبدأ الصدام مع الإعلام التقليدي.
لا يمكن تجاوز تأثيرات العصر الرقمي على الواقع الاجتماعي والسياسي، وكما تقول الدراسات والبحوث بأن 'الاستقطاب في العصر الرقمي: تحدٍّ عالمي، لكنه قابل للحل'، إذن الاستقطاب حقيقة؛ ولذلك فإن المهمة الأساسية للإعلام الرسمي هي تجنب الانقسام بين التقليدي والحديث من خلال التوجهات، فلا بد من توحيد الأهداف من خلال الإعلام الرسمي وجعله المرجعية الوحيدة للموقف الرسمي، وعدم البحث عن تشكيل جمهور إعلامي عبر الفضاء الرقمي.
الإعلام الرقمي القادم عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمتلك مساحته الخاصة؛ وهذه حقيقة مطلقة ولا يجب أن يتم التداخل معها، فهي يجب أن تبقى مفصولة عن الإعلام الرسمي إلا فيما يتجاوز القيم والتقاليد والخطوط الحمراء التي تخص المجتمع، كونها واسعة وتسبح في فضاء رقمي يتجاوز الحدود الجغرافية ولديها هويتها المستقلة، لذلك لندعها تسبح وتعوم في ذلك الفضاء دون صدام معها.










































