اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
في الأردن، لا نعاني نقصاً في الدراسات.
لدينا جامعات ومراكز أبحاث ومجالس ولجان وبيوت خبرة، ولدينا رسائل ماجستير ودكتوراه، ودراسات قطاعية واستراتيجيات وطنية وتقارير دولية، حتى يكاد لا يوجد تحدٍّ اقتصادي أو اجتماعي أو إداري إلا وقد دُرس مرة ومرتين وعشراً.
ومع ذلك، تعود الأسئلة ذاتها كل عدة سنوات.
ندرس البطالة، ثم نعود لدراسة البطالة. نبحث واقع النقل العام، ثم نشكّل لجنة جديدة لدراسة النقل. نضع استراتيجية للتعليم، ثم نكتشف بعد سنوات أن سوق العمل لا يجد المهارات التي يحتاجها. ندرس الاستثمار، والفقر، والمياه، والزراعة، والسياحة، والإدارة العامة، ثم نفاجأ بأن المشكلات نفسها ما تزال حاضرة.
المشكلة، إذن، ليست دائماً في نقص المعرفة.
المشكلة في المسافة بين المعرفة والقرار.
وهذه ربما واحدة من أهم القضايا التي تستحق أن نواجه أنفسنا بها بوضوح: هل تُقرأ الدراسات التي تنتجها مؤسساتنا فعلاً؟ وهل تصل نتائجها إلى مكتب المسؤول الذي يتخذ القرار؟ وهل يلتزم صانع السياسة العامة بتفسير سبب مخالفته لتوصية علمية عندما يقرر عدم الأخذ بها؟
هذه ليست أسئلة أكاديمية.
فكل قرار لا يستند إلى بيانات دقيقة قد تكون له كلفة يدفعها المواطن، وكل سياسة تبنى على الانطباعات بدلاً من الأرقام يمكن أن تعني سنوات إضافية قبل الوصول إلى الحل.
لدينا في الجامعات الأردنية عقول وخبرات وباحثون ينتجون المعرفة، لكن السؤال هو: كم دراسة جامعية تحولت إلى سياسة عامة؟ وكم رسالة دكتوراه خرجت من رف المكتبة إلى طاولة مجلس الوزراء؟ وكم توصية بحثية أصبحت تشريعاً أو برنامجاً حكومياً أو مشروعاً تنموياً؟
لا نريد أن تتحول الجامعات إلى مصانع أوراق علمية هدفها الترقية الأكاديمية فقط، كما لا نريد من المؤسسات الرسمية أن تطلب الدراسات لمجرد استكمال متطلبات مشروع أو مؤتمر ثم تضعها في الأدراج.
ما نحتاجه هو جسر مؤسسي دائم بين الباحث وصانع القرار.
عندما تريد الدولة تعديل سياسة التعليم، يجب أن يكون أمامها أفضل ما أنتجته الجامعات الأردنية من أبحاث حول التعليم وسوق العمل. وعندما تبحث مشكلة المياه، يجب أن يجلس الباحث في المياه والمناخ والزراعة والاقتصاد إلى جانب المسؤول. وعندما تضع خطة للنقل، يجب أن تسبقها بيانات حقيقية عن حركة الناس، وأماكن سكنهم وعملهم وكلفة تنقلهم، لا تقديرات عامة.
الدول الحديثة لا تُدار بالحدس وحده.
إنها تجمع البيانات، وتختبر السياسات، وتقيس النتائج، ثم تصحح المسار.
والأهم أنها لا تعتبر تغيير القرار بعد ظهور معلومات جديدة ضعفاً؛ بل تعتبر الإصرار على قرار أثبتت الأرقام عدم جدواه هو الضعف الحقيقي.
وهنا نحتاج أيضاً إلى ثقافة جديدة في الإدارة العامة.
ليس مطلوباً من المسؤول أن يعرف كل شيء، ولا أن تكون لديه إجابة فورية عن كل سؤال. المسؤول الناجح هو الذي يعرف أين يجد المعرفة، ومن يستشير، وكيف يميز بين الرأي والدليل، ثم يمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار بناء على ما تقوله البيانات حتى عندما لا تكون النتائج التي أمامه مريحة.
ولدينا فرصة كبيرة في الأردن لبناء هذا النموذج.
فالدولة ليست بحاجة في كل مرة إلى البدء من الصفر أو استيراد الخبرة من الخارج. لدينا جامعات عريقة، وباحثون ومتخصصون، ومؤسسات تنتج أرقاماً ودراسات مهمة، ولدينا خبرات أردنية في الداخل والخارج يمكن أن تشكل بنكاً وطنياً للمعرفة.
لكن المطلوب أن نعرف ماذا لدينا أولاً.
لماذا لا تكون لدينا منصة وطنية موحدة للدراسات والأبحاث المرتبطة بالسياسات العامة، يستطيع المسؤول والباحث والصحفي والمواطن الوصول إليها، بدلاً من أن تتوزع الدراسات بين الجامعات والوزارات والمجالس والمؤسسات، ويضيع جزء منها بمجرد انتهاء المشروع الذي أنتجها؟
ولماذا لا يصبح من متطلبات إعداد القرارات الكبرى نشر ملخص واضح يجيب عن ثلاثة أسئلة: ما البيانات التي استند إليها القرار؟ ما البدائل التي جرى بحثها؟ وكيف ستُقاس نتائجه بعد التنفيذ؟
عندها فقط يمكن أن ننتقل من ثقافة «إصدار القرار» إلى ثقافة «صناعة القرار».
والفارق بينهما كبير.
إصدار القرار قد يحتاج توقيعاً، أما صناعة القرار فتحتاج معرفة وبيانات وخبراء ونقاشاً وقياساً ومراجعة.
الأردن بلد محدود الموارد، وهذه الحقيقة تجعل حاجتنا إلى القرار المبني على المعرفة أكبر، لا أقل. فالدولة الغنية قد تتحمل كلفة تجربة فاشلة، أما نحن فلا نملك رفاهية إهدار المال والوقت في سياسات كان يمكن لدراسة جيدة وبيانات صحيحة أن تكشف عيوبها قبل تنفيذها.
لقد أنفقنا سنوات طويلة في دراسة المشكلات.
ربما حان الوقت لأن ندرس شيئاً آخر:
لماذا لا تتحول كل هذه الدراسات إلى قرارات؟
حين نجد الإجابة، سنكون قد قطعنا خطوة حقيقية من دولة تمتلك المعرفة إلى دولة تحكمها المعرفة.












































