اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
عبدالوهاب الوهيب
كالعادة، ومع كل إخفاق جديد لمنتخبنا، تتكرر المشاهد ذاتها؛ مطالبات بإقالة المدرب، وهجوم على الاتحاد السعودي ورئيسه، والمطالبة بأسماء جديدة، وإعادة تشكيل الأجهزة الفنية والإدارية، وكأن المشكلة تكمن في الأشخاص لا في المنظومة نفسها.
ردود الفعل تلك اعتدنا عليها منذ سنوات طويلة، حتى أصبحنا ندور في حلقة مفرغة، نبدّل الوجوه بينما تبقى النتائج على حالها، لأننا في كل مرة نبحث عن حلول سريعة ترضي الجماهير والإعلام، وتخفف الضغط الآني، دون أن نعالج أصل المشكلة.
والحقيقة التي يجب أن نعترف بها بشجاعة هي أن أزمة المنتخب السعودي ليست أزمة مدرب، ولا جيل لاعبين، وإنما أزمة بناء وتخطيط. فالدول التي أرادت أن تنافس عالميًا لم تبدأ من المنتخب الأول، بل بدأت من القاعدة، ومن الأكاديميات، ومن صناعة اللاعب منذ سنواته الأولى وفق برامج علمية متكاملة، يديرها متخصصون يمتلكون الخبرة، بعيدًا عن الاجتهادات الشخصية أو المجاملات. ولعل أفضل دليل على ذلك ما نشاهده اليوم في المنتخب المغربي؛ ففي مونديال 1994 كان المنتخبان السعودي والمغربي يعيشان ظروفًا متقاربة، وكان الاعتماد في المقام الأول على الموهبة الفطرية للاعبين، بل إن المنتخب السعودي آنذاك تفوق وحقق إنجازًا تاريخيًا بالتأهل إلى دور الـ16، بينما خرج المغرب من الدور الأول. لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
منتخب المغرب لم يكتفِ بالموهبة، بل غيّر طريقة العمل بالكامل، واستثمر في التكوين، وربط أكاديمياته بالمدارس الكروية الحديثة، واستفاد من الخبرات العالمية في إعداد اللاعب، حتى أصبحت مخرجاته تنافس في أكبر الدوريات الأوروبية، وأصبح المنتخب المغربي اليوم من أقوى منتخبات العالم، ويضم مجموعة من اللاعبين الذين ينافسون أسبوعيًا في أعلى المستويات. والأمر ذاته ينطبق على المنتخب الأمريكي. ففي مونديال 1994، الذي استضافته الولايات المتحدة، لم يكن المنتخب الأمريكي يملك ذلك الحضور الفني، وكان مستواه متواضعًا مقارنة بباقي المنتخبات.
لكن الأمريكيين تعاملوا مع كرة القدم كمشروع طويل الأمد، فأسسوا الأكاديميات، وطوروا مسابقات الفئات السنية، وربطوا التطوير بالعمل المؤسسي، حتى أصبح المنتخب الأمريكي اليوم أحد المنتخبات الصاعدة بقوة، ويعتمد على لاعبين صغار في السن يمثلون نخبة الأندية الأوروبية.
في المقابل، ما زلنا نحن نراوح مكاننا، نغيّر الأجهزة الفنية، ونبحث عن حلول مؤقتة، بينما لا تزال القاعدة التي تنتج اللاعب بحاجة إلى إعادة بناء حقيقية. ولذلك فإن إرسال عدد من المواهب إلى الخارج، رغم أهميته في بعض الحالات، لا يمكن أن يكون مشروعًا وطنيًا متكاملًا. فاللاعب لا يُصنع بعد بلوغه الثامنة عشرة أو العشرين، بل يُصنع منذ سنواته الأولى داخل بيئة احترافية متكاملة، تمتلك فلسفة واضحة، ومدربين متخصصين، وإدارة مستقلة، وبرامج إعداد علمية.
ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى برنامج ابتعاث جديد، بقدر ما هي إلى إنشاء أكاديميات سعودية حديثة تُدار وفق أعلى المعايير العالمية، سواء بإشراف مباشر من وزارة الرياضة، أو من خلال استقطاب شركات عالمية متخصصة في إدارة الأكاديميات، تمتلك الخبرة والنجاحات المثبتة؛ بشرط أن تُمنح الصلاحيات الكاملة للعمل بعيدًا عن الضغوط والمجاملات فمن تنطبق عليه الشروط والمقاييس فقط يتم تسجيله في الأكاديمية وغيره سيجد مكاناً يقضي فيه وقته بأمواله كالأكاديميات الكروية الربحية.
نحن اليوم لا نملك رفاهية إضاعة المزيد من السنوات والوقت يمضي سريعاً، واستضافة المملكة لكأس العالم 2034 ليست مجرد شرف تنظيمي، بل مسؤولية رياضية وتاريخية تستوجب أن يظهر المنتخب السعودي بالصورة التي تليق باسم المملكة وحجم استثماراتها الرياضية.
ولن يتحقق ذلك بتغيير المدربين، ولا بالحلول المؤقتة، وإنما بإعادة بناء المنظومة من جذورها. فعندما نصنع اللاعب، سنصنع المنتخب، وعندما نصنع المنتخب، ستأتي النتائج بصورة طبيعية، لا على هيئة مجاملات واستثناءات تتكرر كل عدة عقود.










































