اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ١٨ أذار ٢٠٢٦
رسالة أخطر من الحرب: ماذا تعني استقالة مسؤول مكافحة الإرهاب الأمريكي؟ #عاجل
* استقالة مدير المركز القومي لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة ليست حدثًا إداريًا عاديًا، بل تعدّ إشارة سياسية وأمنية ثقيلة جدًا داخل الدولة العميقة الأميركية. لفهم دلالتها يجب فهم ثلاثة أمور: ما هو هذا المنصب، ولماذا استقال، وكيف رد ترامب، وما الذي يعنيه ذلك سياسيًا.
خارج النص- كتب حلمي الأسمر -
في الحروب الكبرى لا تكون اللحظات الأخطر دائمًا تلك التي تُقاس بعدد الصواريخ أو الدبابات أو الخسائر في الميدان. أحيانًا تأتي اللحظة الأخطر في رسالة استقالة يكتبها مسؤول واحد داخل قلب الدولة.
هذا ما حدث عندما استقال مدير مدير المركز القومي لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، وهو أحد أهم المناصب في منظومة الأمن القومي الأمريكي. فصاحب هذا المنصب ليس مجرد مدير إداري، بل هو الشخص المسؤول عن تقييم أخطر التهديدات الإرهابية في العالم وتقديم التقديرات الاستخباراتية المباشرة إلى الرئيس الأمريكي.
ولهذا فإن استقالته ليست حدثًا بيروقراطيًا عابرًا، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة قد تكون دلالاتها أخطر من خسارة معركة عسكرية.
أولًا: ما أهمية منصب مدير المركز القومي لمكافحة الإرهاب؟
بعد هجمات 11 سبتمبر أنشأت الولايات المتحدة منظومة جديدة لمكافحة الإرهاب، وكان قلبها هو المركز القومي لمكافحة الإرهاب.
هذا المركز يعمل كـ غرفة عمليات تحليلية تجمع كل المعلومات الاستخباراتية الأمريكية في ملف واحد.
مدير هذا المركز يقوم بعدة مهام محورية:
جمع معلومات الإرهاب من أجهزة مثل CIA و FBI ووزارة الدفاع ووزارة الأمن الداخلي.
تحليل التهديدات العالمية وتحديد مستوى الخطر على الولايات المتحدة.
إعداد تقديرات التهديدات التي تُرفع مباشرة إلى البيت الأبيض.
تنسيق الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب عالميًا.
بمعنى آخر، هذا المسؤول هو الشخص الذي يجيب عن السؤال الأخطر في الأمن القومي الأمريكي:
هل هناك تهديد حقيقي يستدعي الحرب؟
لذلك فإن استقالته في لحظة حرب ليست مجرد خلاف إداري، بل تشكيك ضمني في الأساس الاستخباراتي الذي قامت عليه الحرب نفسها.
ثانيًا: لماذا استقال؟
المدير الذي استقال هو جوي كنت ، وقد جاءت استقالته على خلفية الحرب الأمريكية على إيران.
الأسباب التي طرحها يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط خطيرة:
1. رفضه مبررات الحرب
في رسالة الاستقالة قال إن الحرب لا تستند إلى تقييم استخباراتي واضح بوجود تهديد وشيك للولايات المتحدة.
وهذه نقطة حساسة للغاية، لأن القانون الأمريكي يسمح للرئيس بشن حرب دون تفويض كامل من الكونغرس فقط إذا كان هناك تهديد وشيك.
بمعنى آخر، كلامه يلمّح إلى أن مبرر الحرب قد يكون سياسيًا أكثر منه أمنيًا.
2. تحذيره من تكرار تجربة العراق
أشار في رسالته إلى أن ما يحدث يذكّر بالأجواء التي سبقت حرب العراق عام 2003، حين تم تبرير الحرب بوجود أسلحة دمار شامل لم تثبت صحتها لاحقًا.
وهذا التشبيه ثقيل سياسيًا في واشنطن، لأن حرب العراق أصبحت رمزًا لفشل التقديرات الاستخباراتية أو تسييسها.
3. اعتراضه على مسار التصعيد مع إيران
كِنت ينتمي إلى تيار داخل السياسة الأمريكية يرى أن الولايات المتحدة يجب أن تتجنب الحروب الكبرى في الشرق الأوسط.
ومن هنا جاءت استقالته كنوع من الاحتجاج السياسي والأخلاقي على مسار الحرب.
4- والأهم من كل ذلك
اتهام إسرائيل بالضغط لبدء الحرب
في رسالته قال أيضًا:
الحرب بدأت بسبب ضغط إسرائيل ولوبيها في أمريكا.
وهذا الاتهام شديد الخطورة لأنه يعني:
أن قرار الحرب لم يكن قرارًا أمريكيًا خالصًا.
ثالثًا: كيف رد الرئيس الأمريكي؟
الرئيس ترامب رد على الاستقالة بطريقة حادة ومباشرة.
فقد قال إن المسؤول المستقيل كان:
'ضعيفًا في مسائل الأمن.'
وأضاف أن خروجه من المنصب أمر جيد.
البيت الأبيض من جهته أكد أن الحرب مبررة لأن:
إيران كانت تمثل تهديدًا حقيقيًا للمصالح الأمريكية.
الضربات جاءت في إطار الدفاع الاستباقي.
وهكذا أصبحت هناك روايتان متناقضتان:
1. الرواية الرسمية: الحرب كانت ضرورية لحماية الأمن القومي.
2. رواية المسؤول المستقيل: التهديد لم يكن وشيكًا.
الحرب يمكن تعويضها… لكن انهيار الرواية لا
في التاريخ العسكري خسرت دول كثيرة معارك ثم انتصرت في الحرب. الجيوش تستطيع إعادة بناء قوتها، وتطوير تكتيكاتها، وتعويض خسائرها.
لكن هناك شيئًا إذا انهار يصبح من الصعب ترميمه:
شرعية الحرب.
حين يخرج أعلى مسؤول مكلف بتقييم التهديدات ليقول إن التهديد لم يكن وشيكًا، فإن السؤال لا يعود:
هل الحرب ناجحة أم فاشلة؟
بل يصبح السؤال الأخطر:
هل كانت الحرب ضرورية أصلًا؟
وهنا تتحول المعركة من ساحة القتال إلى ساحة أخطر بكثير:
ساحة الشرعية السياسية والأخلاقية.
حين تتكلم الدولة ضد نفسها
الدول الكبرى تستطيع بسهولة مواجهة خصومها في الخارج. لكنها تواجه صعوبة هائلة عندما يبدأ الشك من داخلها هي.
حين ينتقد معارض سياسي الحرب يمكن تجاهله.
وحين ينتقدها إعلام معادٍ يمكن اتهامه بالدعاية.
لكن عندما يأتي الاعتراض من داخل مؤسسة الأمن القومي نفسها، يصبح الأمر مختلفًا تمامًا.
فهذا يعني أن:
أجهزة الدولة لا تتفق على الرواية.
التقديرات الاستخباراتية ليست موحدة.
القرار السياسي ربما سبق الحقيقة الأمنية.
وفي مثل هذه اللحظات لا تواجه الدولة خصمًا خارجيًا فقط، بل أزمة ثقة داخلية.
شبح العراق يعود إلى واشنطن
في الذاكرة السياسية الأمريكية كلمة واحدة قادرة على إحداث زلزال:
العراق.
لقد قامت حرب 2003 على رواية امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. ثم اكتشف العالم لاحقًا أن تلك الرواية لم تكن صحيحة.
ومنذ ذلك الوقت أصبح المجتمع الأمريكي شديد الحساسية تجاه أي حرب تُبرَّر بفكرة التهديد الوشيك.
ولهذا فإن استقالة مسؤول أمني كبير وهو يقول إن التهديد لم يكن وشيكًا تعيد إلى الواجهة السؤال القديم:
هل تتكرر القصة نفسها مرة أخرى؟
أخطر ما في الاستقالة: الانقسام داخل السلطة
الحروب عادة توحّد الحكومات. لكنها أحيانًا تفعل العكس.
فالاستقالة كشفت أن هناك انقسامًا داخل معسكر الحكم نفسه.
داخل التيار السياسي الذي يقود الولايات المتحدة اليوم يظهر اتجاهان:
1. اتجاه يرى أن على أمريكا تجنب الحروب الكبرى.
2. واتجاه آخر يؤمن بأن القوة العسكرية يجب أن تُستخدم لإعادة تشكيل العالم.
الحرب الحالية فجّرت هذا التناقض.
والاستقالة كانت أول علامة علنية على هذا الصراع.
لماذا قد تكون الاستقالة أخطر من خسارة معركة؟
لأن خسارة المعركة تعني:
تراجعًا عسكريًا مؤقتًا.
لكن انهيار الرواية يعني:
اهتزاز الشرعية السياسية للحرب.
تصاعد الانقسام داخل الدولة.
فقدان الثقة بين المؤسسات.
والجيوش تستطيع استعادة الأرض.
لكن الدول تجد صعوبة كبيرة في استعادة الثقة حين تتصدع.
وفي النهاية..
قد تستمر المعارك في الخارج، وقد تتغير خطوط الجبهات، لكن اللحظة التي تبدأ فيها مؤسسات الدولة نفسها في التشكيك بالرواية الرسمية هي اللحظة التي تتحول فيها الحرب إلى أزمة داخلية.
عندها لا تكون المواجهة فقط مع العدو الخارجي، بل مع سؤال داخلي أخطر:
هل كانت هذه الحرب ضرورية أصلًا؟
وحين يصل الجدل إلى هذه النقطة، يصبح من الواضح أن رسالة استقالة واحدة قد تهزّ أركان دولة عظمى أكثر مما تفعل خسارة معركة في ساحة القتال.












































