اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٤ أب ٢٠٢٦
في الماضي، كان الناس يبحثون عن العالم ليسألوه، وعن الطبيب ليستشيروه، وعن المعلم ليتعلموا منه. أما اليوم، فقد أصبح بعض الناس يبحثون فقط عن صاحب أكبر عدد من المتابعين، ولو كان لا يحمل من العلم إلا حسن الإلقاء وجاذبية الحضور.
لقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة خطيرة، وهي تضخم الثقة على حساب الكفاءة. فأصبح من السهل أن يتحول أي شخص إلى مرجع في كل شيء؛ يفتي في الدين، ويشخّص الأمراض، ويعالج المشكلات الأسرية، ويحلل الاقتصاد، ويضع الخطط الإدارية، ويقترح الحلول السياسية، وكأن سنوات الدراسة والخبرة والبحث العلمي مجرد تفاصيل لا قيمة لها. والأخطر من ذلك، أن بعضهم لا يتردد في ارتداء عباءة الشيخ إذا احتاج الموقف، فيُصدر الأحكام الشرعية، ويُحلل ويُحرّم، ويُفتي في قضايا تمس عقائد الناس وعباداتهم، دون علمٍ راسخ أو تأهيل شرعي. وكأن العلم الشرعي، الذي أفنى العلماء أعمارهم في تحصيله، يمكن اختزاله في مقطع مصور أو منشور لا يتجاوز بضعة أسطر.
إن التصدر قبل التأهل ليس مجرد خطأ فردي، بل هو خطر مجتمعي. فالكلمة الخاطئة قد تفسد أسرة، والفتوى غير المنضبطة، قد تربك دين الناس، والنصيحة الطبية المضللة قد تُزهق روحًا، والتوصية المالية العابرة قد تبدد مدخرات سنوات، والمؤسف أن البعض لم يعد يسأل: من قال؟ بل يسأل: كم عدد متابعيه؟ وكأن الحقيقة تُقاس بالمشاهدات، والعلم يُقاس بالإعجابات، والمصداقية تُمنح بخوارزميات المنصات.
لست ضد حرية التعبير، ولا ضد مشاركة التجارب الشخصية، فلكل إنسان الحق في أن يروي تجربته ويعرض رأيه. لكنْ هناك فرق شاسع بين أن تقول تجربتك، وبين أن توجه الناس وترشدهم لمجرد رأي شخصي؛ فالرأي الشخصي ليس فتوى، والتجربة الفردية ليست قاعدة عامة، والشهرة ليست شهادة علمية.
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات حتى كادت تغطي على أهل الاختصاص. وأصبح العالم الحقيقي ينافس من لا يملك إلا مهارة صناعة المحتوى، وأصبح المتلقي هو الضحية، يتنقل بين النصائح والآراء والادعاءات، دون أن يجد معيارًا يميز به الصحيح من الزائف.
والمسؤولية هنا لا تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل على المجتمع أيضًا. فمن يمنح غير المؤهل سلطة التأثير، ويستبدل المختص بالمشهور، يشارك من حيث لا يشعر في صناعة الفوضى المعرفية.
يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا قبل أن يصدق أو ينشر أو يعمل بأي نصيحة: هل المتحدث مؤهل فعلًا؟ فإن كان الجواب لا؛ فالأولى أن نُحسن الاستماع إلى أهل العلم والخبرة، لا إلى كل من امتلك كاميرا، وأتقن الحديث، وأحسن تسويق نفسه.
فالمجتمعات لا تنهض بكثرة المتحدثين، وإنما تنهض حين تعرف لكل علمٍ أهله، ولكل مهنةٍ أهلها، ولكل فتوى أهلها. وما لم نستعد احترام التخصص، فسيظل كل من هبَّ ودبَّ ينصح ويوجه ويرشد، بينما يدفع المجتمع ثمن ذلك. وكلنا في خدمة الوطن.










































