اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
حين يقرر الأردن أن يُنتج المياه في العقبة ثم ينقلها إلى عمّان، فهو لا يبني أنابيب فقط. هو يبني منظومة طاقة كاملة، لأن كل قطرة تحتاج إلى كهرباء لتحليتها ورفعها إلى نحو 1,100 متر فوق سطح البحر. وهنا تبرز مفارقة تستحق الالتفات؛ فقد ينجح الأردن في تأمين مصدر محلي جديد للمياه، لكنه سيبقى معرضا لمخاطر خارجية إذا بقي تشغيل هذا المصدر مرتبطا بطاقة لا يملك السيطرة الكاملة على إمداداتها.
هذه المفارقة هي المدخل الأساسي لفهم مشروع الناقل الوطني، لأن أهميته تتجاوز الجانب الفني والاقتصادي. فالأمن المائي لا يتوقف عند امتلاك مصدر للمياه، بل يرتبط أيضا بالقدرة على إنتاجها ونقلها بانتظام، وبكلفة يمكن تحملها، ومن دون أن تبقى العملية كلها رهينة لتقلبات خارجية.
ولعل هذا ما يفسر المكانة التي احتلها ملف المياه في التفكير السياسي الأردني. فمنذ عهد الملك الحسين بن طلال، ارتبطت المياه بحسابات الأمن الوطني والعلاقات الإقليمية. وقد نُقل عنه، في سياق التوترات المائية مع إسرائيل عام 1990، أن المياه قد تكون السبب الوحيد الذي يعيد الأردن إلى الحرب.
وبغض النظر عن السياق الذي قيلت به هذه العبارة، فإن دلالتها السياسية واضحة.؛ فلم يكن تعاطي الأردن مع المياه محصورا في إدارة مورد شحيح، بل ارتبط منذ وقت مبكر بحماية الحقوق الوطنية ومواجهة اختلال موازين القوة في المنطقة.
وقد عادت هذه القضية إلى الواجهة في خطاب الملك عبد الله الثاني الأخير، حين كرر كلمة «المياه» ثلاث مرات تحت قبة البرلمان. ليعيد التأكيد على أن الدفاع عن حقوق الأردن المائية لا ينفصل عن حماية مصالحه الوطنية، وأن التعامل مع الضغوط الإقليمية لا يمكن أن يتجاهل ما تفرضه الجغرافيا على دولة محدودة الموارد.
لكن الجغرافيا لا تفرض تحديات المياه وحدها. فالمشروع يكشف عن ارتباط وثيق بين أمن المياه وأمن الطاقة، وهو ارتباط قد لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي يحظى به حجم المشروع وكلفته. حيث يستهدف المشروع تحلية نحو 300 مليون متر مكعب من مياه البحر سنويا في العقبة، ثم نقلها عبر شبكة أنابيب تمتد قرابة 450 كيلومترا إلى كل مناطق المملكة. وهذا يعني أن توفير المياه سيظل مرتبطا بتأمين الكهرباء اللازمة للتحلية والضخ على مدار العام.
من هنا تبرز مسألة الاعتماد المتبادل بين الموارد. قد يتمكن الأردن من تقليص اعتماده على إمدادات المياه الخارجية، لكنه سيبقى يعتمد في تشغيل منظومة التحلية والنقل على مصادر طاقة مستوردة أو معرضة للاضطرابات الإقليمية. وعليه، فإن جزءا من الهشاشة سيبقى قائما، وإن انتقل من قطاع إلى آخر.
ولهذا تكتسب مكونات الطاقة المتجددة في المشروع أهمية تتجاوز بعدها البيئي. فالمشروع يتضمن محطة للطاقة الشمسية بقدرة تقارب 281 ميغاواط ذروة، يُتوقع أن توفر نحو 27% من احتياجاته الإجمالية من الطاقة.
وتعد هذه مساهمة مهمة في تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية والحد من التعرض لتقلبات أسعار الوقود، لكنها لا تعني أن المشروع سيعمل باستقلال كامل عن الشبكة. ولذلك ينبغي النظر إلى هذا المكون باعتباره خطوة نحو تقليص الانكشاف الطاقي، لا حلا نهائيا له.
والأهم من هذا هو أن هذه المسألة تفتح أمام الأردن مجالا أوسع للتفكير في العلاقة بين الاستثمار في البنية التحتية والاستقلال الاستراتيجي. فالمطلوب ليس فقط زيادة إنتاج الطاقة المتجددة، وإنما بناء منظومة قادرة على توفير إمدادات مستقرة لمشروع مائي بالغ الأهمية. وهذا ما يستدعي التخطيط للطاقة والمياه معا، بدل التعامل مع كل قطاع باعتباره ملفا منفصلا، بما في ذلك تقدير كلفة التخزين والربط بالشبكة وبدائل الإمداد عند تراجع إنتاج الطاقة الشمسية.
وتتصل هذه المعادلة أيضا بطريقة تمويل المشروع وإدارته. فالناقل الوطني يُنفذ من خلال شراكة بين القطاعين العام والخاص، وبمشاركة مؤسسات تمويل دولية، وفق نموذج تعاقدي يمتد ثلاثين عاما وينتهي بنقل الأصول إلى الحكومة الأردنية. ويتيح هذا التنوع في مصادر التمويل توزيع الأعباء وتخفيف الضغط على المالية العامة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى رقابة دقيقة على الالتزامات المالية وشروط التشغيل والتسعير.
فالسيطرة على البنية التحتية لا تتحقق بمجرد أن يكون المشروع داخل حدود الدولة أو أن تنتقل ملكيته إليها في نهاية مدة التعاقد. هي ترتبط أيضا بقدرة المؤسسات الوطنية على متابعة الأداء، وضمان جودة الخدمة، ومراقبة الكلفة، وحماية المصلحة العامة طوال فترة الشراكة.
ومن هنا، لا ينبغي أن يُنظر إلى التمويل الأخضر والمناخي باعتباره غاية في حد ذاته، بل أداة يمكن أن تساعد الأردن على تمويل تحول طويل الأجل في إدارة موارده. فنجاح المشروع لن يُقاس فقط بقدرته على جذب التمويل أو استكمال الإنشاءات، وإنما بمدى قدرته على توفير المياه بكلفة مستدامة، وبمدى مساهمته في تقليل تعرض الاقتصاد الوطني للصدمات الخارجية.
في النهاية، يضع مشروع الناقل الوطني الأردن أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف مفهوم الأمن المائي.
فالمسألة لا تتعلق فقط بامتلاك مصدر جديد للمياه، وإنما ببناء منظومة متكاملة تستطيع إنتاجها ونقلها وتشغيلها بصورة مستقرة. فإذا كانت الجغرافيا قد فرضت على الأردن شح موارده المائية، فإن التخطيط المتكامل بين المياه والطاقة، إلى جانب الحوكمة الرشيدة لشراكات البنية التحتية، يمكن أن يحد من آثار هذا القيد ويمنح الدولة مساحة أوسع لحماية قرارها.
فالسيادة المائية لا تكتمل عند الشاطئ الذي تُحلى فيه المياه، ولا عند الخزان الذي تصل إليه، بل تُختبر في كل مرحلة تضمن استمرار تدفقها.












































