اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
سامي بن أحمد الجاسم
في بعض البيئات الثقافية، لا تكمن الإشكالية في قلة الحراك، بل في طبيعة هذا الحراك نفسه، تظهر أحيانًا حالة خفية من الحساسية تجاه الآخر؛ ليس تجاه الفكرة بحد ذاتها، بل تجاه من يحملها.
فيُقرأ الحضور الجديد باعتباره منافسًا محتملًا، لا إضافة ممكنة، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا ضمنيًا لا تنوعًا طبيعيًا، وهنا يبدأ المشهد الثقافي بفقدان جزء من روحه، حين يتحول من فضاء مفتوح إلى مساحة محسوبة بدقة، تُدار فيها الحركة أكثر مما تُصنع فيها القيمة، المفارقة أن الثقافة في أصلها تقوم على مبدأ التعدد، فهي ليست صوتًا واحدًا، ولا اتجاهًا واحدًا، ولا ذائقة واحدة، بل هي مساحة تتسع لكل الأطياف: للمختلف، والمجرب، والناشئ، ولمن يحاول أن يجد لنفسه مكانًا في هذا الامتداد الإنساني الواسع، أن العمل الثقافي الحقيقي أنه يحتضن الأصوات لا يُقصيها، ويرعى المواهب لا يهمشها، ويمنح الفرص لا يحتكرها.
لكن حين تُدار بعض المشاهد الثقافية بعقلية «الموقع» أكثر من عقلية «المعنى»، يبدأ التحول التدريجي من رعاية الإبداع إلى التحكم في ظهوره. فتُختصر الثقافة في أدوار تنظيمية، أو حضور رمزي، أو سيطرة على الواجهة، بينما يتراجع جوهرها الأهم: الإضافة النوعية للمشهد وصناعة حراك حيّ ومتجدد.
لا تُقاس القيمة بعمق التجربة أو أثرها، بل بمدى قربها من الدائرة القائمة، حيث تصبح بعض المبادرات أقرب إلى إعادة إنتاج المشهد نفسه، بدل أن تفتحه على احتمالات جديدة.
ومع الوقت، يفقد الحراك الثقافي قدرته على التجدد، لأنه يُدار بمنطق الحفاظ على الموجود، لا توسيع الممكن.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بيئة ثقافية هو أن تتحول إلى دائرة مغلقة، يُرحب فيها بالصوت المألوف، ويُتوجس فيها من الصوت المختلف، لأن الثقافة التي لا تتسع لغيرها، تبدأ تدريجيًا بفقدان قدرتها على التعبير عن نفسها بصدق.
المشهد الثقافي الصحي لا يخاف من تنوع الأصوات، بل يعتبره مصدر قوته، فهو يدرك أن المواهب لا تنمو في العزلة، وأن الإبداع لا يزدهر في بيئة أحادية، وأن كل إضافة جديدة هي فرصة لإعادة تعريف المعنى لا تهديد له، وأن النجاح حق الجميع ومتاح لهم، تأتي أهمية الرعاية الحقيقية للمواهب: تقليمها بالمعرفة، وتوجيهها بالخبرة، وفتح المساحات أمامها لتجرب وتخطئ وتتعلم، واحتواء كل الأصوات والأطياف ليس خيارًا تجميليًا في الثقافة، بل هو جوهرها، فالثقافة التي لا تتسع للاختلاف، قد تفقد قدرتها على التطور، والذي لا تمنح الفرص، تفقد قدرتها على الاستمرار، والتي تُدار بعقلية الاحتكار الرمزي، تتحول بمرور الوقت إلى مشهد متكرر، مهما تبدلت أسماؤه أو عناوينه.
ويبقى السؤال الحقيقي ليس: من يملك المشهد؟ بل: هل ما زال المشهد قادرًا على أن يُنتج معنى يتجاوز أصحابه، وأن نكون أكثر قدرة على تقبل وجود آخرين معنا في المشهد الثقافي، يكونون إضافة حقيقية ومؤثرة، وأن نخرج من إطار الدائرة المغلقة للأشخاص لجماعية مؤثرة ومنتجة.










































