اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
'وعلم آدم الأسماء كلها'
ثمة نزعة اجتماعية لاستعارة مفاهيم عامة أو جميلة لوصف العيوب. ربما حتى لا نقع في الإساءة والشتيمة أو للمجاملة. المشكلة أن هذه التسميات المستعارة تدل على شيء آخر. ثم إنها تأخذ مع الزمن معنى أو دلالة سيئة. برغم أنها ليست كذلك.
نقول نرجسي ونقصد أنانية. النرجس لا يشير إلى أنانية ونرسيس ليس أنانيا. ونقول ايديولوجي ونقصد متعصب. الايديولوجيا ليست تعصبا لكنها دليل فكري للأفكار والمواقف والاتجاهات لا يمكن الاستغناء عنه. والحقيقة أننا جميعا أيديولوجيون فلا يمكن التفكير واتخاذ قرار أو اتجاه عام أو حتى يومي من غير ايديولوجيا.
ونقول فلسفة أو يتفلسف، ونقصد الحجاج غير المجدي. لكن الفلسفة هي إدراك الحقيقة ولا يمكن الاستغناء عنها، ما من فرد أو جماعة يمكن أن يعمل أو يعيش من غير فلسفة. والحقيقة أننا نمارس الفلسفة في كل لحظة دون أن نشعر.
ونقول كلاسيكي أو تقليدي ونقصد الجمود، والحال أن التقليدية أو الكلاسيكية هي الاتجاه العام السائد الذي يلخص الأفكار والتجارب ولا يمكن الاستغناء عنه فهو البوصلة أو الدليل على الاتجاهات وكيف نبدع ونغير.
ونقول سفسطة وسفسطائي ونقصد الفجوة بين الواقع والفكرة، لكن السفسطة هي الحكمة أو الفلسفة والمعارف التي تتطور إلى قدرة على ادراك الصواب والمنفعة والأفضل.
ونقول نظري وتنظير على سبيل الذم والتقليل من شأن الأفكار، لكن لا يمكن أن ننشئ أعمال وبرامج من غير نظريات وتنظير. مرة قاطعني سياسي ثري متعجرف في ندوة قائلا يا أخي كلامك أكاديمي. وكأن الاكاديمي شتيمة. زي ما تقول لواحد بقصد الاهانة والشتم يا اكاديمي يا ابن الاكاديمي. ووصفني سياسي آخر على سبيل التشهير والإساءة بأني عقلاني. وهو وصف يعني في اوساط متدينة واسعة الانتشار الكفر البواح والصريح. (ليس المقصود بالصريح مدينة الصريح)
ونقول بيروقراطي، ونقصد إعاقة الأعمال وتأخيرها لكن البيروقراطية هي تقاليد واجراءات العمل في المؤسسات التي بدونها تحدث الأخطاء والتجاوزات. ونقول نخبة ونقصد القيادات، وليس الأفضل بالضرورة.
ونقول فردية ونقصد الاستبداد، لكن الفردية ليست استبدادا بالضرورة، بل هي مكون أصيل في البشر والمجتمعات والأمم لا يمكن إلغاؤه.
وأخذت اتجاهات ومبادئ جميلة وضرورية تسميات تحمل المذمة والتمويه ولا تدل على المعنى الأساسي. ففي السائد الاجتماعي والتراثي. نقول ليبرالية ولا نقول حرية ونمنح العبارة دلالة الخروج على الاخلاق والقيم برغم أن الحرية هي أساس الفكر والاعتقاد والتنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للأمم والمجتمعات. ونقول اعتزال ومعتزلة ونقصد العقلانية، ومنح الاتجاه المهيمن لنفسه وصف السنة. برغم أن السنة تشمل جميع المذاهب والاتجاهات الدينية بمن فيهم الشيعة والعقلانيون. وسمي الوعي الإسلامي المبكر والعظيم بالعلمانية 'إرجاء' وصارت تسمية ذميمةبرغم أن أغلب الصحابة والتابعين كانوا مرجئة.
وصار يطلق فهم العلمانية على الفصل بين الدين والحياة و أو الدولة، برغم أن المفهوم مشتق من العالم أي فهم العالم المشهود كما هو وبأدواتنا الإنسانية أو كيف يرى الإنسان العالم ولا علاقة للمفهوم بالعداء للدين وهو أيضا مفهوم ليس مستمدا من العلم. وإن كان العلم أحد أهم مكوناته، لكنه مفهوم يتشكل بتفاعل ايجابي وسليم بين العلم والفلسفة والدين والفطرة الإنسانية على نحو لا يلغي فيه مكون مكونا آخر. ويأخذ بالاعتبار أيضا المصالح والقيم العليا والأهواء والطبيعة الإنسانية. إنه العالم بما هو عالم والإنسان بما هو إنسان.
وصارت كلمة إباحية المأخوذة من الإباحة أسوأ وصف ولا يجرؤ احد اليوم أن يدافع عن أصل الفكرة ويقول مثلا إن الاصل في الأشياء الإباحة. لكن صار الأصل في الأشياء التحريم. والحال أنه لا سلطة ولا هيمنة من غير تحريم، وأما الإباحة والمباحات فهي تترك للأمم والأسواق تنظيم نفسها بنفسها. لكن الكلمة الجميلة والمفهوم الأساسي 'الإباحة' صار شيئا ذميما خطيرا في مذمته ولا يحاول رده إلى أصله الا انتحاري.
ونقول فوضى للمجهول او ما لا نعرف عنه قاعدة تفسره. ولكن 'المجهولية' أو 'عدم اليقين' أو 'الشك' هي أساس التفكير والتنظيم في الكون والعلم والحياة.
والفوضوية أو الاناركية هي الأصل الذي كانت البشرية تنظم نفسها على أساسه. إنها تعني التجربة والبحث الدائم عن الصواب وأن تحاول الأمم تنظيم نفسها بنفسها من غير وصاية أو طبقية أو هيمنة. لقد سلبت البشرية من حرياتها وإرادتها لصالح طبقات مهيمنة، وصار ما ليس هيمنة فوضى أو إباحية بمعنى ذميم وليس بالمعنى الأصلي الجميل.
الكارثة المفاهيمية والاجتماعية التي تشكلت اليوم أن القيم الأساسية الجميلة لم يعد لها اسم أو وصف يمكن الإشارة إليه على نحو مفهوم وواضح، فقد حملت هذه المفاهيم صفات ودلالات أخرى. فلا يمكنك اليوم أن تجمل دعوتك بالتنظيم الفكري والمنهجي للاتجاهات والخيارات بكلمة واحدة (أيديولوجيا) لكن يجب أن تظل تقول عنها بوصفها وشرحها دون أن تجرؤ على تسميتها باسمها الأصلي ولا تعرف لها اسما آخر.












































