اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ حزيران ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
المحاولات الأولى لحوكمة الوظائف في مواجهة العلاقات الشخصية كانت في الحضارة البابلية عام 1750 قبل الميلاد، وتعتبر شريعة حمورابي سباقة في فصل المحسوبية عن الإدارة، لأنها فرضت عقوبات قاسية على الحكام والقضاة، ممن يعيّنون تابعيهم مقابل رشوة أو مصلحة شخصية، وفي رأيها الولاء وحده لا يقدم مبررًا كافيًا، ما لم يكن مدعومًا بخبرة ومعرفة مناسبة..
بدأت وزارة الموارد البشرية السعودية، وتحديدا في مارس 2024، خدمة النقل الوظيفي عن طريق منصتها المعروفة: مسار، وذلك لموظفي المرتبة الثالثة عشرة فأدنى، وبما يمكن الكفاءات من التقدم على الشواغر الوظيفية إلكترونيا، وبطريقة تضمن حوكمة الإجراءات، ومعها أتمتة الترقيات والمفاضلات بناءً على الأداء، وهذا الإجراء ضروري ومهم، فقد أشارت دراسة نشرتها جامعة الملك سعود في 2024، أن اختيار القادة في المملكة، لا تحكمه أنظمة رسمية للتعاقب الوظيفي، ما يؤدي إلى تغليب المعرفة الشخصية، والأصعب أن معظم المؤسسات تفتقد لقائمة بدلاء جاهزة، والاختيار فيها يكون لحظياً وشخصياً، وفي المقابل، وطبقاً لدراسة نشرها المعهد المعتمد للأفراد والتنمية البريطاني، عام 2023، تعتمد 65 % من الشركات البريطانية الكبرى على ما يسمونه بمصفوفة الكفاءة، وفيها يقيم القائد المحتمل، من خلال أرقام أداء مسجلة لأعوام، وليس استنادا لرأي شخص أو شخصين، ممن يستحسن بعضهم تسميته بالمرجع، وقد بدأ برنامج رأس المال البشري المرتبط بروية 2030، ومنذ 2019، باختبار الكفاءات القيادية في القطاع العام، لتقليص الاجتهادات واستبعاد غير المؤهلين، ومعهما المرجع والمتعلقون بشماعته، ما يعنى أننا نسير في الاتجاه الصحيح.
الدليل على ما سبق، هو التقرير السنوي لمنجزات وزاراة الموارد البشرية السعودية في 2021، الذي أشار إلى أن منصة مسار للخدمات الإلكترونية، ساهمت في أتمتة الترقيات والتعيينات الحكومية، ولدرجة أنها قلصت التدخل البشري والاجتهادات الشخصية وبنسبة 70 %، خصوصاً في الأجهزة الحكومية التي أخذت بالنظام كاملاً، وترقية الموظف في مسار تتم بناءً على نقاط جدارة، تقاس بواسطة تقارير تقييم الأداء والاختبارات والأقدمية والكفاءة، ورغم ما قيل يبقى ما نسبته 30 %، كمساحة مفتوحة للتدخلات وتوصيات المدير، وهناك أجهزة حكومية لم تأخذ به إلا جزئياً، وبالتالي فالمشكلة مازالت حاضرة لديها، ولعل الأمور تحسنت نسبياً في الوقت الحالي.
فقد أورد المؤشر الوطني لقياس أداء الأجهزة الحكومية: أداء، في تقريره التحليلي لعام 2024، أن نظام الجدارة والترقيات الإلكترونية، الذي قلص توصيات المدير المباشر وقناعاته المنحازة، أحدث تراجعا في الشكاوى والتظلمات الإدارية بنسبة 64 %، ولاحظ تقرير نشرته شركة بروشير الاستشارية في 2023، أنه مع تسارع مشاريع الرؤية السعودية أصبح تعيين 82 % من الرؤساء التنفيذيين في القطاعين العام والخاص يعتمد على مراكز التقييم القائمة على محاكاة الواقع، أو بعبارة ثانية حل مشكلات حقيقية باستخدام الكمبيوتر، ولم يعد يهتم بالمقابلات الشخصية التي يسهل التلاعب بها.
إلا أن القائمين على هذه الاختبارات عليهم معالجة شيء آخر، جاء في تقرير لموقع بيت. كوم عام 2023، وهو أكبر موقع للوظائف في الشرق الأوسط، وفيه أن 62 % من الموظفين العرب يعتبرون المحاباة بمثابة العائق الأول أمام تقدمهم المهني، فالموظف الكفء لا يفشل، ولكنه يحبط إذا رأى زميلا أقل كفاءة منه يسبقه في الترقيات، أو يوضع في وظيفة لا يستحقها، بسبب معرفة شخصية بأحدهم، والعجيب أن الأكاديميا العربية نفسها تحاول شرعنة المسألة بإدخالها ضمن تسميات محايدة، مثل رأس المال الاجتماعي، والشبكات غير الرسمية، بينما في أوروبا وأميركا، وبحسب دراسة لمؤسسة غالوب للأبحاث في 2024، لا يكون إحباط الموظف أو تركه لعمله نتيجة للمحاباة بمعناها الاجتماعي، وإنما لسوء الإدارة وتوزيع المهام من قبل المدير، والفارق كبير بين الاثنين.
المحاولات الأولى لحوكمة الوظائف في مواجهة العلاقات الشخصية، كانت في الحضارة البابلية عام 1750 قبل الميلاد، وتعتبر شريعة حمورابي سباقة في فصل المحسوبية عن الإدارة، لأنها فرضت عقوبات قاسية على الحكام والقضاة، ممن يعينون تابعيهم مقابل رشوة أو مصلحة شخصية، وفي رأيها الولاء وحده لا يقدم مبررا كافيا، ما لم يكن مدعوما بخبرة ومعرفة مناسبة، وفي أميركا كان القطاع الحكومي حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي يدار بأسلوب يعرف بنظام الغنائم، فعندما يكسب رئيس جديد الانتخابات يقوم بطرد الآلاف من موظفي الحكومة الأكفاء، ويعين محلهم أقاربه وأصدقاءه ومن دعموا حملته الانتخابية، بصرف النظر عن كفاءتهم الإدارية، وهذا النوع من الفساد الإداري ترتب عليه اغتيال الرئيس الأميركي جيمس غارفيلد في 1883، لأنه فرض أول اختبار موحد لكفاءات الوظائف الحكومية الأميركية، ويجوز أن تصرّفه قلص التجاوزات، إلا أنه لم يلغها تماماً؛ والشواهد كثيرة.
سنغافورة تمثل النموذج الأمثل في الوقت الحالي، لأنها تبنت نظاماً صارماً يسمونه: الاستحقاق القيادي، والرواتب التي تعطى للقيادات فيها توصف بالأعلى عالميا، وتصل إلى مليون دولار سنويا في المناصب العليا، والسابق لا يأتي بدون ثمن، فالقائد الحكومي يقيم كل ستة أشهر بإخضاعه لمؤشرات أداء إلكترونية متصلة بالنمو الاقتصادي للدولة، وإذا أخفق تتم إقالته فوراً دون الالتفات لعائلته أو نفوذه، وللمعلومية القطاع الحكومي في سنغافورة يشغل المرتبة الأولى في الكفاءة عالميا، وبنسبة 95 %، وتقل معدلات الفساد فيه عن واحد في المئة، وأجد أنه يقدم تجربة متفوقة في مجالها، ومفيدة لوزارة الموارد البشرية في المملكة.










































