اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٩ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - كل صباح تقريباً، تبدأ في عمّان رحلة يومية يعرف تفاصيلها مئات آلاف الأردنيين: مركبات تخرج في توقيت متقارب، شوارع رئيسية تمتلئ سريعاً، إشارات تختنق، طرق بديلة تتحول بعد دقائق إلى طرق مزدحمة هي الأخرى، وموظف أو طالب يبدأ يومه بجزء معتبر منه خلف المقود.
اعتدنا المشهد إلى درجة أن الازدحام أصبح بالنسبة لكثيرين جزءاً من الحياة في العاصمة، كأنه قدر لا يمكن تغييره. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس لماذا تزدحم شوارع عمّان اليوم، وإنما ماذا سيحدث بعد خمس أو عشر سنوات إذا استمر عدد المركبات والرحلات اليومية في الارتفاع بينما بقيت قدرة المدينة على استيعابها محدودة؟
القضية أكبر من أزمة سير في الثامنة صباحاً أو الخامسة مساءً. نحن أمام سؤال يتعلق بشكل العاصمة التي نريد أن نعيش فيها مستقبلاً: أين يسكن الناس؟ أين يعملون؟ كيف يصلون إلى جامعاتهم ومدارسهم؟ أين تتركز الخدمات؟ وما المسافة التي يجب أن يقطعها المواطن يومياً كي يعيش حياته الطبيعية؟
فالمشكلة الحقيقية ليست في عدد السيارات وحده، وإنما في مدينة أصبح امتلاك السيارة فيها بالنسبة إلى كثير من الأسر ضرورة أكثر منه خياراً.
عندما تصبح السيارة شرطاً للحياة
جرب أن تسأل سؤالاً بسيطاً: هل تستطيع أسرة تعيش في عمّان أن تستغني عن سيارتها وتواصل حياتها بصورة طبيعية؟
هل يستطيع الأب الوصول إلى عمله، والأم إلى وظيفتها، والأبناء إلى مدارسهم وجامعاتهم، ثم الذهاب إلى الطبيب أو السوق أو زيارة الأقارب، باستخدام شبكة نقل عام سهلة وسريعة ومنتظمة؟
الإجابة تختلف بحسب مكان السكن والعمل، لكنها تكشف جوهر المشكلة. كلما كان البديل عن السيارة أقل كفاءة، ازداد عدد المركبات على الشوارع، وكلما ازداد عدد المركبات تباطأت الحركة، ثم نبحث عن شارع جديد أو جسر أو نفق لمعالجة الاختناق.
وهكذا ندخل في حلقة متكررة: سيارات أكثر، طرق أوسع، ثم سيارات أكثر تملأ الطرق الجديدة.
ولهذا فإن المدن الكبرى في العالم لم تعد تنظر إلى مشكلة الازدحام باعتبارها مسألة طرق فقط، وإنما باعتبارها مسألة تخطيط حضري ونقل عام وتوزيع للسكان والوظائف والخدمات.
هل تستطيع عمّان أن تبني طريقاً لكل سيارة جديدة؟
هذه هي المعادلة التي يجب مواجهتها بوضوح.
الأرض داخل المدينة محدودة، وتوسيع الشوارع له حدود، وإنشاء الأنفاق والجسور مكلف، وبعض مناطق عمّان ذات طبيعة جغرافية وعمرانية تجعل التوسع في البنية التحتية أكثر تعقيداً.
وفي المقابل، تدخل مركبات جديدة إلى منظومة النقل باستمرار.
لذلك لا يمكن أن يكون الحل طويل المدى هو أن نحاول زيادة مساحة الشارع بالمعدل نفسه الذي يزيد فيه استخدام المركبات الخاصة. في مرحلة ما تصبح المعادلة غير قابلة للاستمرار.
وهنا يجب أن يتغير السؤال من «كيف نمرر عدداً أكبر من السيارات؟» إلى «كيف ننقل عدداً أكبر من الناس؟»
والفرق بين السؤالين كبير جداً.
الحافلة التي تحمل عشرات الأشخاص ليست مجرد مركبة أخرى على الطريق؛ إنها عشرات السيارات المحتملة التي لم تدخل الشارع. والنقل الجماعي عندما يكون سريعاً ومريحاً وموثوقاً لا يخدم من لا يملك سيارة فقط، بل يجب أن يصبح خياراً حقيقياً لمن يملكها أيضاً.
الباص السريع بداية.. وليس نهاية
شهدت عمّان خلال السنوات الأخيرة توسعاً في منظومة النقل العام، وفي مقدمتها مشروع الباص سريع التردد. لكن أي مشروع منفرد، مهما كانت أهميته، لن يحل مشكلة مدينة بهذا الحجم إذا لم يكن جزءاً من شبكة متكاملة.
المواطن لا يهتم باسم وسيلة النقل بقدر اهتمامه بأربعة أسئلة: هل تصل إلى المكان الذي أريده؟ كم سأنتظر؟ كم ستستغرق الرحلة؟ وهل أستطيع الاعتماد عليها كل يوم؟
إذا احتاج المواطن إلى سيارة كي يصل إلى محطة النقل العام، ثم ينتظر، ثم يغير أكثر من وسيلة، ثم يمشي مسافة طويلة إلى وجهته، فقد يقرر أن يبقى في سيارته رغم الازدحام.
لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس شراء المزيد من الحافلات فقط، وإنما بناء شبكة: خطوط رئيسية، وخطوط تغذية للأحياء، ومواعيد يمكن الاعتماد عليها، ونظام دفع موحد، ومعلومات لحظية عن الرحلات، ومحطات آمنة ومريحة، وربط فعلي بين أطراف العاصمة ومراكز العمل والتعليم والخدمات.
المشكلة تبدأ أحياناً قبل أن تصل السيارة إلى الشارع
هناك جانب آخر لا نناقشه بالقدر الكافي: التخطيط العمراني نفسه يصنع حركة المرور.
عندما يسكن عشرات آلاف الأشخاص في منطقة ويعملون في منطقة أخرى، فإننا نصنع عشرات آلاف الرحلات يومياً. وعندما تتجمع الجامعات والمدارس والمستشفيات والمراكز التجارية والدوائر والمؤسسات في نقاط محددة، فإننا نوجه حركة المدينة كلها نحو هذه النقاط في ساعات متقاربة.
ولهذا فإن بناء حي سكني جديد ليس مجرد قرار إسكان، بل قرار نقل أيضاً.
قبل الموافقة على توسع عمراني كبير، يجب أن يكون السؤال: كيف سيتحرك سكانه؟
هل توجد شبكة نقل؟
أين المدارس؟
أين المراكز الصحية؟
هل توجد وظائف وخدمات قريبة؟
أم أننا سنبني آلاف الشقق أولاً، ثم نكتشف بعد سنوات أن سكانها جميعاً يحتاجون إلى سيارات للخروج منها صباحاً والعودة إليها مساء؟
التخطيط الحقيقي يبدأ قبل الإسفلت، لا بعد الازدحام.
وكم يكلفنا الازدحام فعلياً؟
نحن نتحدث عن أزمة السير عادة بلغة الأعصاب: تأخرنا، تعبنا، ازدحم الطريق.
لكن للازدحام فاتورة اقتصادية.
موظف يقضي وقتاً إضافياً في الطريق هو وقت ضائع من حياته. مركبة عالقة في السير تحرق وقوداً. شركة تتأخر مركباتها تخسر إنتاجية. موعد يتأخر، وشحنة تتأخر، وحافلة مدرسة تقضي وقتاً أطول، وسيارة إسعاف قد تواجه شارعاً مزدحماً.
وفوق ذلك هناك التلوث واستهلاك المركبات والبنية التحتية والحوادث والضغط النفسي.
لذلك سيكون مهماً أن يعرف الأردنيون دورياً: كم تكلف أزمة المرور اقتصاد عمّان؟
عندما نضع رقماً تقريبياً للكلفة، يصبح الاستثمار في النقل العام أقل ظهوراً كـ«مصروف» وأكثر وضوحاً باعتباره استثماراً يوفر كلفة أخرى.
المواقف جزء من المشكلة أيضاً
السيارة لا تحتاج إلى شارع فقط، بل إلى مكان تقف فيه معظم ساعات اليوم.
وهنا تظهر مشكلة أخرى في المناطق التجارية والحيوية من العاصمة. مركبات تبحث عن موقف، وأخرى تقف بصورة تعيق الحركة، ومساحات ثمينة من المدينة تخصص لتخزين السيارات.
أي استراتيجية مستقبلية لعمّان تحتاج إلى معالجة متكاملة للمواقف، وربطها بالنقل العام، وتنظيم الوقوف في المناطق المزدحمة، بدلاً من التعامل مع الموقف باعتباره تفصيلاً منفصلاً عن حركة المدينة.
فالمدينة التي تشجع الجميع على الوصول بسياراتهم الخاصة مطالبة في النهاية بإيجاد مكان لكل هذه السيارات، وهي معادلة تصبح أصعب كلما ازدادت الكثافة العمرانية.
لماذا يخرج الجميع في الوقت نفسه؟
حتى ساعات العمل والتعليم تستحق أن تدخل النقاش.
جزء من الازدحام ينتج عن حقيقة بسيطة: أعداد ضخمة تتحرك نحو وجهاتها في نافذة زمنية ضيقة جداً.
هل يمكن لبعض المؤسسات تطبيق ساعات عمل مرنة؟ هل تستطيع شركات معينة اعتماد العمل عن بُعد في بعض الأيام؟ هل يمكن دراسة توقيتات المدارس والجامعات والمؤسسات الكبرى بطريقة تخفف الضغط على ساعات الذروة؟
لن تحل هذه الإجراءات المشكلة وحدها، لكنها تذكرنا بأن إدارة المرور ليست مهمة شرطي السير فقط. وزارة التربية لها علاقة، والجامعات لها علاقة، وأمانة عمان لها علاقة، وقطاع الأعمال له علاقة، ووزارة النقل لها علاقة، والمخطط العمراني له علاقة.
وهنا تحديداً يأتي سؤال العنوان:
من يخطط لعمّان؟
العاصمة تحتاج إلى عقل واحد للنقل والمدينة
الخطر في الملفات الكبيرة أن تتوزع المسؤولية بينها حتى لا يعود واضحاً من يملك الصورة كاملة.
جهة تخطط للطريق، وأخرى للنقل، وثالثة تمنح الترخيص، ورابعة تتعامل مع المرور، وخامسة تخطط لمشروع جديد. وقد تكون كل جهة ناجحة في الجزء الذي تديره، بينما تكون النتيجة النهائية غير مثالية للمدينة ككل.
عمّان تحتاج إلى أن يُنظر إليها كنظام واحد.
كل مشروع سكني كبير يجب أن يُدرس أثره المروري. كل مجمع تجاري جديد يجب أن يُسأل كيف سيصل الناس إليه. كل جامعة أو مستشفى أو مؤسسة كبيرة يجب أن تدخل حركة موظفيها وزوارها في حسابات التخطيط. وكل توسع عمراني يجب أن يرتبط منذ بدايته بخطة للنقل العام.
فلا معنى لأن نبني مدينة أولاً ثم نحاول لاحقاً حل طريقة الحركة داخلها.
الحل ليس حرباً على السيارة
من المهم أيضاً ألا يتحول النقاش إلى خصومة مع مالك المركبة.
الأردني لم يشتر سيارته لأنه يريد زيادة الازدحام، وإنما لأنها في حالات كثيرة الوسيلة الأكثر عملية للوصول إلى عمله وعائلته واحتياجاته.
إذا أردنا منه أن يستخدم النقل العام، فلا ينبغي أن نعاقبه على استخدام السيارة قبل أن نعطيه بديلاً أفضل.
الناس لا يتركون سياراتهم بالشعارات. يتركونها عندما يجدون وسيلة أسرع أو أرخص أو أكثر راحة ويمكن الاعتماد عليها.
وعندما يصل النقل العام إلى هذه المرحلة، لن تحتاج الدولة إلى إقناع المواطن كثيراً؛ الوقت والمال سيقنعانه.
عمّان بعد عشر سنوات تُرسم اليوم
ربما هذه هي النقطة الأهم.
أزمة السير التي سنعيشها في عام 2035 لا تبدأ في 2035. جزء منها يتشكل الآن في مخطط تنظيمي يُعتمد، وحي جديد يُبنى، ومجمع يُرخص، وخط نقل يُنفذ أو يؤجل، ومدرسة تُقام في مكان ما، وقرار يسمح بتوسع عمراني من دون شبكة نقل مناسبة.
المدينة نتيجة آلاف القرارات الصغيرة التي تتراكم عبر السنوات.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط ماذا تفعل أمانة عمان اليوم لتخفيف الازدحام، وإنما ما الصورة التي نريد أن تكون عليها العاصمة بعد عشرين عاماً؟
هل نريد مدينة يحتاج فيها كل فرد بالغ إلى سيارة؟
أم مدينة يستطيع فيها المواطن أن يختار بين سيارته ونقل عام حقيقي؟
هل نريد أن تستمر الوظائف والخدمات في التركز بما ينتج مزيداً من الرحلات؟
أم نريد مراكز حضرية متعددة يستطيع الإنسان أن يعمل ويتعلم ويتسوق ويحصل على الخدمات بالقرب منها؟
هذه قرارات تخطيطية قبل أن تكون مرورية.
لا تنتظروا أن تتوقف المدينة
عمّان ما تزال قادرة على التحرك، والمشاريع القائمة والمقبلة تستطيع تحسين واقع النقل، لكن أخطر ما يمكن فعله هو التعامل مع الازدحام باعتباره إزعاجاً يومياً سنتكيف معه.
لأن المدن لا تتوقف فجأة.
تتباطأ تدريجياً.
خمس دقائق إضافية تصبح عشراً، والعشرون تصبح أربعين، ثم يصبح المواطن معتاداً على تخصيص ساعة لرحلة كانت تحتاج إلى نصفها.
وعندها ندفع جميعاً الثمن من وقتنا وأموالنا وأعصابنا وإنتاجيتنا.
لهذا فإن المطلوب ليس مشروعاً جديداً كلما اختنق شارع، بل رؤية واحدة تربط النقل بالتنظيم والإسكان والعمل والتعليم والاستثمار، وتتعامل مع حركة الإنسان باعتبارها جزءاً أساسياً من تخطيط العاصمة.
فالمشكلة في النهاية ليست أن لدينا سيارات كثيرة فقط.
المشكلة أن المدينة قد تصل إلى لحظة لا تستطيع فيها إضافة شارع لكل سيارة، ولا نفق لكل اختناق، ولا جسر لكل أزمة.
وعندها سنكتشف أن السؤال الذي كان يجب أن نطرحه منذ سنوات لم يكن:
كيف نوسع شوارع عمّان؟
بل:
كيف نبني عمّان بحيث لا يحتاج كل من يعيش فيها إلى سيارة كي يعيش؟












































