اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ أيار ٢٠٢٦
د. خالد رمضان
في قلب وادي السيليكون، حيث يُصنع مستقبل البشرية على أيدي قلة من العباقرة، كان الخوف دائماً يدور حول سيناريو واحد: أن يخرج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة ويهدد وجودنا، كان قادة هذه الصناعة يتحدثون بجدية عن «الانقراض البشري» و«الذكاء الفائق»، ويخصصون ملايين الدولارات لمواجهة هذه المخاطر النظرية، لكنهم أغفلوا الخطر الأقرب والأكثر واقعية: غضب الإنسان العادي.
خلال الأسابيع الماضية، تم إفشال مخطط لاغتيال سام ألتمان المدير التنفيذي لشركة 'أوبن إيه آي' بعدما تعرض منزله في سان فرانسيسكو لإلقاء قنبلة مولوتوف، وكشفت السلطات أن المتهم كان يحمل بياناً مناهضاً للذكاء الاصطناعي، ووجه تهديدات بإحراق مقر شركة 'أوبن إيه آي' أيضاً.. هذه ليست حوادث معزولة يا سادة، بل إشارات تحذيرية لظاهرة جديدة بدأت تكبر بسرعة: الشعبوية في مواجهة الذكاء الاصطناعي، والحقيقة أن ما يحدث اليوم ليس مجرد قلق من فقدان الوظائف، أو اعتراض على استهلاك مراكز البيانات للكهرباء، بل رفض شعبوي أعمق.
في الوقت الحالي، أصبحت الشركات الكبرى مثل 'أوبن إيه آي'، و'أنثروبيك'، و'ميتا'، تمثل في نظر قطاع واسع من الشعب الأمريكي رمزاً لتركز الثروة والسلطة بين أيدي حفنة صغيرة من الرجال، يتحكمون في مستقبل الاقتصاد والعمل والحياة اليومية لملايين البشر، فمن جهة، هناك تقنية فائقة التعقيد تتخذ قرارات لا يفهمها حتى مصمموها، ومن جهة أخرى، هناك مستقبل بأكمله يُدار من قبل خمسة أو ستة أسماء فقط، هذا التناقض أنتج رد فعل شعبي متزايد، حيث تكشف استطلاعات الرأي الأخيرة أن نصف الأميركيين تقريباً أصبحوا أكثر قلقاً من حماسهم تجاه الذكاء الاصطناعي، فيما لا تتجاوز نسبة المتحمسين حقاً 10%، والأكثر دلالة أن الفئة الوحيدة التي لا تزال تنظر إليه بتفاؤل كبير هي أصحاب الدخل المرتفع جداً الذين يحصلون على أكثر من 200 ألف دولار سنوياً.
وعلى سبيل المثال، في شمال ولاية فرجينيا، قلب صناعة مراكز البيانات في العالم بلا منازع، انقلب الرأي العام الأميركي بشكل دراماتيكي ضد هذه المشاريع، حيث ارتفع الرفض الشعبي لإنشاء مراكز بيانات جديدة في الأحياء السكنية بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية، وباعتقادي فإن هذا التحول يحمل درساً مهماً لنا في المنطقة العربية، حيث نعيش مرحلة طموحة من التحول الرقمي، ونؤمن بأن الذكاء الاصطناعي أداة أساسية لتحقيق رؤية 2030، لكن هذا الإيمان يجب أن يقترن بحكمة بالغة وهي أن التقدم التكنولوجي لا يمكن أن ينجح إذا أدى إلى شعور بالتهميش لدى المواطن، أو تركز الثروة والفرص بين فئة محدودة.
والخلاصة، أن الذكاء الاصطناعي، مثله مثل الكهرباء والإنترنت، تقنية عامة الغرض، ونجاحه الحقيقي لن يُقاس بعدد النماذج الضخمة التي نبنيها، بل بقدرتنا على جعله يخدم الإنسان، ويوسع فرص العمل، ويحقق عدالة اجتماعية أكبر، وبوضوح أكثر: يجب أن نستعد مبكراً لإدارة ردود الفعل الاجتماعية تجاه الذكاء الاصطناعي، فالتقدم بدون قبول شعبي واسع لن يكون تقدماً مستداماً، وهذا هو الوقت مناسب الآن لنفكر بجدية في جعل هذه الثورة التقنية ثورة للجميع، وليست مجرد تكنولوجيا محتكرة من قبل قلة قليلة من الناس، يجب أن ندرك أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برمجيات وخوارزميات، بل هو مرآة تعكس قيمنا الإنسانية وقدرتنا على العدالة، فإما أن نجعله أداة تفتح أبواب المستقبل للجميع، وإما أن يتحول إلى جدار عازل يفصل بين النخبة والشعب، والرهان الآن ليس على سرعة الآلة، بل على حكمة الإنسان.










































