اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ أب ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
مشاعر الإنسان أمر مهم في حياته؛ ففرح المرء وحزنه، أو غضبه ورضاه، أو ضحكه وبكاؤه، أو حماسه وفتوره، كلها حالات شعورية يمكن بناؤها أو هدمها. وأعني بالبناء هنا أن يطور الإنسان من حالات شعوره التي تنتابه عادة؛ فإن كانت إيجابية نافعة رفع منها وعود نفسه عليها، وإن كانت سلبية ضارة أقلع عنها وحاول التخلص منها، وبذلك يبني الإنسان مشاعره الجيدة ويتخفف من مشاعره السيئة، فينقلب ذلك على راحة باله، ورضا نفسه، وحبه للآخرين، وحب الآخرين له، كما يصبح عنصرا فاعلا في مجتمعه، ومن ثم لا يبني مشاعره فحسب، بل يشارك في بناء مشاعر المجتمع ويرتقي به.
من هنا نشأت فكرة (بناء العواطف أو المشاعر) بقصد تنمية السلوك السليم والارتقاء به، ولقد ظهر مصطلح (بناء المشاعر) (أو بناء العواطف) لدى بعض المهتمين بتطوير الذات وعلم النفس، حيث يشير عادة إلى العمليات التي من خلالها يقوم المرء بتشكيل الحالات العاطفية وتنظيمها وتوليدها استجابة للمواقف وتفاعلا معها. وقد وجدنا قريبا من هذا المصطلح عند غير واحد من الغربيين، كما عند المفكر والروائي والناقد الويلزي (رايموند وليامز 1988) الذي توقف عند مصطلح (بنية الشعور Structure of Feeling) بوصفها مفهوما ثقافة يشير إلى التغيرات الاجتماعية الحية التي تنشأ في طور التشكل.
ويطلق بعض الباحثين على نظرية (بناء المشاعر) مصطلحات أخرى من قبيل: (نظرية التوسيع) أو نظرية (بناء المشاعر الإيجابي) ونحوها من الاصطلاحات. وقد كان لأستاذة علم النفس الأمريكية (باربرا فريدريكسون) أثرها في مقاربة مثل هذه النظريات، حيث ألمحت في بعض دراساتها مثلا إلى المشاعر الإيجابية، كالبهجة والسرور والتقدير والامتنان والاكتفاء والرضا والقبول وما أشبه ذلك من المشاعر، وأشارت إلى ما تؤديه تلك المشاعر من انعكاس واضح وملموس في توسيع مدارك الفرد وبناء الشخصية وتعزيز السلوك الاجتماعي والنفسي على المدى البعيد.
إننا حين نحرص على بناء المشاعر الطيبة، فنحن نقدم رسالة سامية في نفع الناس، ولا سيما أن ديننا الحنيف حث على بناء السلوك النافع؛ ففي محكم التنزيل، في وصايا لقمان الحكيم لابنه، قال الله تعالى: «يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ». فالصبر، وعدم التكبر، والحرص على التواضع، وخفض الصوت، ولين الجانب، كلها خصال حميدة، لو ألزم الإنسان نفسه بتطبيقها والاعتياد عليها، لبنى لنفسه صرحا من المشاعر الطيبة والسلوكيات الحميدة.
ومثل ذلك الغضب بوصفه حالة شعورية سيئة، فقد جاء النهي عنه في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: «عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أوصني، قال: لا تغضب، فردد مرارا، قال: لا تغضب». فالإنسان قد لا يملك نفسه عند الغضب، لكنه إذا تذكر أن الصبر حالة شعورية تبنى مع التعويد والتدريب والممارسة، سيجد الإنسان نفسه أمام بناء من المشاعر الإيجابية، و»لكل امرئ من دهره ما تعود»، و»إنما العلم بالتعلُم، وإنما الحلم بالتحلم». ومن هنا فإن كل عمل طيب، أو شعور حسن لدى الإنسان إنما يكتسب اكتسابا، ويجتلب اجتلابا، ويعتاد اعتيادا، وحينئذ نصبح أمام بناء من المشاعر الجيدة التي نستطيع تشييدها بذلك المران والاتزان.










































