اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
حين يُجرح الوطن في خاصرته، لا تعود اللغة ترفاً، ولا يعود النقاش مساحة للمزايدة أو تصفية الحسابات؛ بل يغدو كل حرف غير محسوب وقوداً لنار لا تُبقي ولا تذر.
إن الدماء الزكية التي روت أرض «حمّود» ووجع الأردنيين جميعاً ليس مجرد خبر عابر، بل هو وخز في عصب الدولة وضمير المجتمع، وصدمة أيقظت في هذا الجسد الواحد مناعته الفطرية. والمناعة حين تستيقظ، إنما تُقاتل المرض لحماية الأعضاء، لا لتجعل الأعضاء تنهش بعضها بعضاً.
المشهد الذي تلا المصاب، من بيانات متقابلة، خنادق فكرية، واصطفافات استقطابية تُقذف فيها التهم بالتعميم؛ إنما يعكس انحرافاً عن بوصلة الفاجعة. حين يُقابَل الاتهام بالاتهام، وتُستحضر مفردات الإقصاء والتخوين من كل اتجاه، يُغيّب جوهر الأزمة، وتتحول دماء الضحايا إلى منصات لتبادل الرسائل الأيديولوجية.
الإرهاب لا وطن له ولا دين يبرره، لكنه يقتات تحديداً على الشقاق المجتمعي، ويجد ضالته الكبرى حين يرى أبناء البيت الواحد قد أداروا ظهورهم لعدوهم المشترك وتفرغوا للنزاع البيني.
مضار الإقصاء وضرورة إرساء حُرمته الوطنية:
إن الإقصاء ليس مجرد خلاف في الرأي، بل هو معول هدم ناعم لا يقل خطورة عن الرصاص؛ إذ يدفع الفئات المُستهدفة إلى زوايا التهميش والإنكار، مما يولّد الاحتقان والقطيعة، ويهيئ بيئات خصبة تستثمر فيها قوى التطرف لتجنيد الساخطين وتبرير العنف. الإقصاء يُعطّل طاقات المجتمع، ويحوّل التنوع الإيجابي إلى عداء وجودي، ويفكك العقد الاجتماعي الذي بُنيت عليه الدولة. من هنا، تتأكد حُرمة الإقصاء كأصل وطني وأخلاقي قطعي؛ فحُرمة دم المواطن وكرامته وحقه في وطنه لا تنفصل عن حُرمة انتمائه، ولا يجوز لأي طرف—تحت أي ذريعة سياسية أو فكرية—أن يحتكر الوطنية أو يوزع صكوك الولاء، لأن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وقوته في اجتماع سواعدهم لا في نفي بعضهم لبعض.
اليوم، يحتاج الأردن إلى وقفة جليلة؛ صمتٍ واعٍ ومراجعة شجاعة وجريئة، تُعلي صوت العقل فوق ضجيج الانفعال، وتستند إلى ثوابت راسخة لا تقبل المواربة:
إنصاف الشهداء وتطبيب جراح أسرهم:
إن الواجب المقدس الذي يسبق كل جدل فكري هو الانحناء إجلالاً لتضحيات الشهداء، وجبر خواطر عائلاتهم وذويهم بالدعم المعنوي والمادي الصادق المستدام، اعترافاً بدينهم في عنق الوطن، وترسيخاً لقيمة أن من يفتدي تراب هذا البلد لن يُنسى ولن يُترك أهله وحدهم.
مواجهة جذور الفكر العنيف بلا مجاملة ولا إقصاء:
مواجهة التطرف لا تكون بالتعميم الظالم الذي يستعدي المجتمع ويُقصي مكوناته الأصيلة، ولا بالتستر الذي يُنكر وجود الخلل. تفكيك البيئات المغذية للعنف يتطلب عملاً مؤسسياً، تربوياً، وثقافياً، يُجفف منابع التكفير والانغلاق، ويحفظ للدين سموه واعتداله، بعيداً عن الاستثمار الحزبي أو التوظيف السياسي.
تحصين الجبهة الداخلية بمبدأ الشراكة التامة:
قوة الأردن وتماسكه التاريخي كانا دوماً في قدرته على استيعاب التنوع وبناء الهوية الوطنية الجامعة تحت مظلة سيادة القانون والدستور. إن شيطنة الشركاء في الوطن، سواء بإلصاق تهم التطرف جُزافاً أو بإلقاء تهم التغريب والعمالة خبط عشواء، لا تصنع وطناً آمناً، بل تصنع شروخاً يسهل اختراقها وتهدد السلم الأهلي في الصميم.
المسؤولية الجمعية في صياغة المستقبل: لضمان عدم تكرار ما حدث، نحتاج إلى ميثاق أخلاقي ووطني يجرّم الإقصاء والتخوين، ويلتزم به الجميع؛ سياسيون، وإعلاميون، وعلماء، ومثقفون. خطاب وطني ناضج يتناول المشكلات بشفافية وأمانة، ويجعل المصلحة العليا للدولة وأمن المواطن فوق أي انتماء فئوي أو أيديولوجي.
إن احترام الألم يبدأ باحترام العقل، وأفضل ما نهديه لأرواح من قضوا، وللأجيال القادمة، ألا نسمح لأي رصاصة غدر أن تفكك عُرى تماسكنا، وأن نخرج من هذا الامتحان أكثر وعياً، وأصلب عوداً، وأشد التفافاً حول كلمة سواء تحمي الأردن وإنسانه.












































