اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
قرارات الإنفاق العام تُبنى على ما يمكن قياسه، مبدأ يبدو بديهياً إلى حد أنه لا يُفحص، غير أن لهذا المبدأ وجهاً آخر، فما لا تلتقطه أدوات القياس لا يدخل الحسابات أصلاً، فلا يُرفض، بل لا يُنظر فيه.
وقد تكون القيمة التي أُنشئ المشروع لتحقيقها هي نفسها ما لا يُقاس، فأداة القياس ليست مجرد وسيلة للحكم بين الخيارات، بل هي البوابة التي تحدد أي الخيارات يصل إلى صانع القرار، وتكشف البيانات المالية للجهات العامة عن مفارقة تستحق التوقف. فحين تنفق جهة تنموية أضعاف ما تتلقاه من إيرادات، فإن هذا الفارق لا يعني بالضرورة أن أداءها ضعيف، فهذه الجهات لم تنشأ لتغطي مصروفاتها بالكامل من إيراداتها، ولم يكن ذلك يوماً معيار الحكم عليها، وإنما يكشف هذا الفارق أن النظر إلى أدائها يستند إلى معيار لم تنشأ لتحقيقه، فيكون الخلل في الحكم، لا في الجهة نفسها.
وتظهر هنا المفارقة الأعمق. فشبكات النقل، والطرق الكبرى، والحدائق الحضرية، والمرافق العامة، لم تُبنَ ليكون عائدها المالي المباشر هو المعيار الذي تُقاس به، بل لتُغيّر البيئة الاقتصادية التي تعمل داخلها. فهي تُولّد قيمة تتخذ صوراً متعددة، منها خفض تكاليف الإنتاج، وتيسير حركة الناس، وجذب الاستثمار، ورفع القيمة العقارية، وتحسين الإنتاجية وجودة الحياة. ومع ذلك، فإن جانباً مهماً من هذه القيمة لا يظهر في المؤشرات المالية التي يبدأ منها التقييم. فيبدو المشروع الاستراتيجي أقل قيمة مما هو عليه في الواقع، لأن جانباً مهماً من قيمته يبقى خارج القياس.
وقد يُقال إن المشكلة في نقص أدوات القياس، لكن الواقع غير ذلك. فالمنهجيات موجودة منذ عقود، وبعضها يُستخدم فعلاً في إعداد الدراسات، مثل تحليل التكلفة والعائد الاجتماعي، وقياس أثر المشروعات على القيمة العقارية، وتقدير المنافع البيئية. ولذلك ليست المشكلة في المعرفة، ولا في الأدوات، وإنما في موقع نتائجها من عملية صنع القرار، فهذه الدراسات تُقدّم معرفة موازية، لا جزءاً من الأساس الذي تُبنى عليه القرارات. تُقرأ، لكنها لا تُلزم. وتُستخدم في تفسير القرار أكثر مما تُستخدم في صناعته. ولهذا لا يُؤدي تراكم المعرفة إلى تغيّر مماثل في طريقة اتخاذ القرار.
وقد يبدو أن سبب ذلك يعود إلى تعدد تعريفات القيمة العامة، لكن هذا التعدد نتيجة لا سبب، فالتعريف لا يستقر بالنقاش النظري، بل داخل إطار مؤسسيٍ يُلزم الجهات بمرجعية واحدة، ويُطورها مع تراكم الخبرة، وما لم توجد هذه المرجعية، ستظل كل جهة تقيس ما يقع ضمن نطاقها، لأن غياب المرجع يجعل ذلك هو المسار الطبيعي.
ولهذا يمتد أثر اقتصار القياس على جانب من القيمة الاقتصادية في اتجاهين. فعلى المدى القريب، تحظى المشروعات التي يسهل التعبير عن عوائدها بالأرقام بفرصة أوسع في المفاضلة، بينما لا تجد المشروعات الأوسع أثراً التقدير نفسه، لأن جزءاً مهماً من قيمتها لا يدخل في القياس، وأما على المدى البعيد، فحتى المشروعات التي تُنفذ وتُولّد قيمة اقتصادية واسعة، لا تُدار هذه القيمة ولا يُبنى عليها بصورة منهجية، لأنها لم تكن ضمن الإطار الذي استند إليه القرار عند إنشائها. وهكذا تتراكم ثروة عامة حقيقية، بينما يبقى جانب مهم من قيمتها خارج الحسابات التي تُوجّه القرارات اللاحقة.
وفي مرحلةٍ تتسارع فيها التحولات الاقتصادية، وتتزايد فيها المشروعات ذات الأثر الممتد، لم تعد الفجوة بين ما يُنفق وما يُحتسب شأناً فنياً، بل أصبحت فجوة في صناعة القرار، فالجهات التي تبقى القيمة التي تصنعها خارج ميزانها، يصعب عليها أن تُديرها، وأن تبني عليها، وأن تُدافع عن جدواها عند المفاضلة بين خياراتها.
وعليه، فإن المطلوب ليس أسلوباً جديداً في القياس، ولا تعريفاً جديداً للقيمة، بل مرجعية واحدة تُحدّد ما يُحتسب، وإطار مالي يعتمدها، والتزام يجعل نتائجها جزءاً من الوثائق التي تُبنى عليها قرارات الاعتماد، ومراجعة دورية تُطوّر هذا الإطار في ضوء الخبرة المتراكمة، عند ذلك ينتقل القياس من دراسة موازية إلى جزء من صناعة القرار، وتنتقل الدولة من إدارة ما تُنفقه إلى إدارة ما تصنعه، فيُصبح مقياس قوّتها في قدرتها على إدراك القيمة التي تصنعها، والبناء عليها، وتحويلها إلى أثر مستدام.










































