اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة رم للأنباء
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
رم - الدكتور نسيم أبوخضير
آهٍ يا أُمَّ الشهيد ... ماذا أقول لكِ ، وبأيِّ كلماتٍ أُربّت على قلبكِ المكلوم ؟ وكيف لي أن أصف وجعاً تعجز عن حمله الكلمات ، وتضيق به الصدور ، وتبكي له العيون ؟
آهٍ يا أُمَّ جواد ... أي قلبٍ هذا الذي ما زال ينبض وأنتِ تحتضنين حذاءَ جواد ، وتضمّينه إلى صدركِ ، وتقلّبينه بين يديكِ ، وتشمّين ما علق به من عطره ومسك رائحته ؟ كأنكِ تبحثين بين ثناياه عن أثرٍ من خطواته ، أو عن دفءٍ من قدميه ، أو عن لحظةٍ تعيد إليكِ صوتاً ألفتِه ، ووجهاً كان يملأ البيت حياةً وطمأنينة .
يا الله... أيُّ أمٍّ هذه التي لم تجد بين يديها لتحتضنه سوى حذائه ؟ وأيُّ فراقٍ هذا الذي يجعل قطعةً من متعلّقاته أغلى من الدنيا وما فيها ؟ إنكِ لا تحتضنين حذاءً يا أُمَّ جواد ، بل تحتضنين خطوات إبنكِ ، وذكرياته ، وأيامه ، وطفولته ، وضحكاته ، وكلَّ لحظةٍ مرّت وهو يملأ عليكِ البيت حضوراً وحياة .
آهٍ يا أُمَّ الشهيد ... كيف تلقيتِ خبر إستشهاد فلذة كبدكِ ؟ كيف إخترقت تلك الكلمات قلبكِ حين قيل لكِ إن جواداً قد رحل ، وإن يداً آثمةً امتدّت إليه ، وإن متطرفاً خسيساً إغتال روحاً بريئةً كانت تؤدي واجبها وتحمي أمن الوطن والناس ؟
كيف كانت صرختكِ الأولى ؟ هل صدّقتِ الخبر ؟ هل سألتِهم أن يعيدوا عليكِ ما قالوا ؟ أم بقيتِ تحدّقين في وجوههم ، تنتظرين أن يقول أحدهم إن ما سمعته أُمُّ جواد ليس حقيقة ، وإن إبنها سيعود بعد قليل ليطرق الباب وينادي: أُمِّي ؟
آهٍ يا أخت جواد ... كيف ودّعتِ أخاكِ ؟ كيف ستعتادين غيابه ، وأنتِ التي كان لكِ سنداً ورفيقاً وظهراً ؟ من ستنادين حين تضيق بكِ الدنيا ؟ ومن سيشارككِ ضحكتكِ وأسراركِ ؟ وكيف سيمرّ العيد ، وكيف تجتمع العائلة ، ومكان جواد خالٍ من صوته وإبتسامته ؟
آهٍ يا أبا جواد ... أيُّ مصابٍ هذا الذي نزل على قلبك ؟ كيف ستنظر إلى مكان إبنك ، وكيف ستدخل البيت دون أن تقع عيناكَ عليه ؟ كنتَ تراه إمتداداً لعمرك ، وحصاداً لتعب السنين ، وعضداً لك في هذه الحياة ، فإذا بك اليوم تقف أمام فراقه ، تحمل في قلبك ألماً لا يراه الناس ، وتكتم في صدرك دمعة أبٍ إنكسر قلبه على فلذة كبده .
آهٍ يا إخوة جواد وأخواته ... كيف ستستوعبون أن أخاكم الذي كان بينكم بالأمس لن يعود ؟ كيف ستتقاسمون الذكريات بدلاً من الأيام ، والصور بدلاً من اللقاءات ، والدعاء بدلاً من الحديث ؟ كيف ستنظرون إلى كرسيه ، وغرفته ، وأشيائه الصغيرة التي تركها خلفه دون أن يعلم أنها ستصبح يوماً أغلى ما تملكون ؟
يا جواد ... يا ابن الوطن الغالي ...
لقد رحلتَ بجسدك ، لكن خطواتك لن تغيب عن ذاكرة أهلك ، ولن تُمحى صورتك من وجدان وطنك . رحلتَ تاركاً خلفك أمّاً تبحث عن رائحتك في حذائك ، وأباً يحاول أن يخفي وجعه ، وإخوةً وأخواتٍ يتلمّسون حضورك في كل زاوية ، وبيتاً كان يضجّ بالحياة فأصبح الصمت فيه شاهداً على الفقد .
يا جواد... ياشهيد الواجب .... ما أقسى أن تتحوّل أحلام الأمهات إلى صور ، وأن تصبح ملابس الأبناء وذكرياتهم أمانةً تحتضنها الأمهات بدلاً من أصحابها ! ما أقسى أن تنتظر الأم عودة إبنها ، ثم لا يعود إليها إلا محمولاً على الأكتاف ، ملفوفاً بعلم الوطن ، يحمله زملاؤه نشامى الأمن العام ، والقوات المسلحة ، والمخابرات العامة ، يتقدمهم نائب جلالة الملك سمو الأمير فيصل .
يا أُمَّ جواد ... إرفعي رأسكِ ، وإن كان قلبكِ ينزف ألماً ، فإبنكِ لم يكن رقماً في سجلّ الشهداء ، ولم يكن إسماً عابراً في خبرٍ عاجل ، لقد كان إنساناً له أمٌّ تحبه ، وأبٌ يفخر به ، وإخوةٌ يعتزون به ، ووطنٌ سيبقى يذكر تضحيات أبنائه الأوفياء .
إنَّ يد الغدر التي إمتدت ّ إلى جواد لم تقتل محبته في قلوبكم ، ولم تستطع أن تغتال ذكراه ، ولن يكون للتطرف والإرهاب مكانٌ في وطنٍ يعرف قيمة الحياة ، ويصون كرامة الإنسان ، ويقف أبناؤه صفاً واحداً في وجه كل فكرٍ ظلاميٍّ منحرف .
سلامٌ على جواد يوم أدّى واجبه ، وسلامٌ على روحه يوم إرتقت شهيدةً بإذن الله ، وسلامٌ على أُمٍّ تحتضن حذاء إبنها وتشمّ فيه عبق روحه ، وسلامٌ على أبٍ فقد قطعةً من قلبه ، وعلى إخوةٍ وأخواتٍ أصبح الحنين رفيق أيامهم .
يا أُمَّ جواد ... لا تبكي وحدكِ ، فوالله قد بكيت من لحظة سماع الخبر ، وزاد بكائي مذ أمسكت قلمي لحظة رؤياكٍ ، فكلُّ أمٍّ أردنيةٍ تشارككِ وجعكِ ، وكلُّ أبٍ يشعر اليوم أن المصاب مصابه ، وكلُّ بيتٍ أردنيٍّ يفتح لكِ أبوابه وقلبه .
عزاؤنا أن جواداً ترك خلفه سيرةً وذكرى ، وأن دمعة أمّه لن تكون منسيةً في ضمير الوطن .
رحم الله الشهيد جواد ، وأسكنه فسيح جناته ، وألهم والديه وأهله وذويه جميل الصبر وحسن العزاء .
وإلى أمّ الشهيد نقول : ليس في الدنيا ما يعوّض حضن الإبن ، ولا في الكلام ما يطفئ نار الفقد ، ولكن لكِ من قلوب الهاشميين ود ورعاية كزخ المطر ، وحضنٌ هاشميٌّ حانٍ يفوق كلَّ وصفٍ ، يحتوي وجعكِ ويضمّد جراح قلبكِ ، ومن الأردنيين دعاءٌ لا ينقطع ، ومحبةٌ لا تنضب ، ووفاءٌ لا يتبدّل .
نامي قريرة العين يا أُمَّ جواد ... فإبنكِ في ذاكرة وطن ، ووجعكِ في ضمير أُمّة ، وذكراه ستبقى ما بقي في الأردن قلبٌ ينبض بالوفاء .












































