اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحديث عن مناهضة أدب الشمباتة يؤذن بموت هذا الضرب من الموروث الشعري لهذه الديار، فمثل هذه الأحكام التي نصدرها مهما كانت قيمتها ووجاهتها، لا تجعل المحب الشغوف بهذه الأشعار يخفي ولعه بهذه الأبيات التي تتراوح بين الإخفاق والنجاح، وبين الطلاوة والأسر.
نحن هنا في هذا المقال، لا نريد أن يدلي كل فريق بحجته في القبول أو الرفض لأدب 'الهمباتة' الذي نعتبره امتدادًا لأدب أبي خراش الهذلي، ومالك بن الريب، وعروة بن الورد، والشنفرى، والسليك بن السلكة، وغيرهم من الشعراء الصعاليك، الذين اتخذوا من الإغارة والسلب منهجًا لحياتهم.
ولكن حتى يخفت هذا الجدل، ويتعمق هذا الخفوت إلى درجة واضحة، يجب أن تُقاس الأمور بتقدير ما ساهمت به هذه الأشعار، التي لا تستطيع أن تخرج عن النغم الموروث المنتشر في منطقة 'البطانة' التي تقع في وسط وشرق السودان.
فأدب الهمباتة الذي هو في كنهه يصور تجارب شخصية وذاتية بحتة، يعتمد في لغته وموسيقاه وجرسه على تدفق الرؤية، واستدعاء تلك المعاني التي نبالغ الآن في التمسك بها، والتعصب لها، تلك المعاني التي تتدنى أحيانًا، وتميل إلى القوقعة والانغلاق أحيانًا أخرى، تخبرنا في جلاء عن الصلة القوية الدائبة بين شبه الجزيرة العربية وبين السودان الذي تكونت جرثومته من أجناس ثلاثة: عنصر عربي، وعنصر كوشي، وعنصر أفريقي.
هذه العناصر بلا ريب هي التي منحتنا هذا التوتر، والعبث، والاختلال، في كل شيء، في الأدب والسياسة والدين، كما أن هذه المكونات التي لا ترتبط ببعضها ارتباطًا وثيقًا، هي سبب كل طامة حادثة الآن في السودان.
على ضوء ما سبق، نستطيع أن نجزم بيقين لا يخالطه شك، أو يتنازعه التباس، أن شريحة الهمباتة لم تبن أدبها داخل حدودها، ولا أحد يطعن في هذه الحقيقة أو يستهجنها.
فأدب الهمباتة في السودان مستمد من نفس تلك السلسلة التي تتداخل حلقاتها، أدب ابتعثته تجربة الشعراء الصعاليك في الجاهلية، ونهضت به طائفة من 'النبلاء' ورسخت له تلك المعايير التي امتدحت 'التمرد' على سلطة الدولة، ورفضت تقاليدها وأعرافها.
هذه المعايير بلا شك وضعت عينها على 'المنجز الثقافي الجاهلي' واهتدت به، فنحن -على كل حال- لا نريد أن نعود إلى الوراء كثيرًا، فنتذكر المراحل التي تم بها تأثيل أدب الشعراء الصعاليك، ولكن الاعتزاز بالنفس، وإظهار الشجاعة، ووصف الإبل، ومساعدة المحتاج، إن غابت هذه الملامح والسمات عن أدبهم، قل تقدير الشعر وتذوقه.
فأدب الشعراء الصعاليك الذي لا يحتاج إلى مذهب يقرره، أو إحاطة تعين على فهمه وإدراكه، إذا خلت قصيدته من وصف الرمل والصحراء، وامتطاء الناقة والفرس، وتجسيد الغارات وقطع الطريق، لانتابنا الشك فيه، ولوصلنا لقناعة مفادها أن نسب هذه القصيدة التي لم يفطن إليها أحد من قبل، لا تمت لأدب الشنفرى ورهطه بصلة أو تصل إليها بسبب، فما هي في حقيقتها إلا عبث يحتاج إلى تحرير الحجة وإظهار الدليل.
هذه هي قواعد الأدب التي استند عليها الإجماع، وهي مع سهولتها وبساطتها، لا تحتاج منا أن نتتبعها ونتغور فيها حتى نثبت بها نصًا، فلا يوجد تعارض في أصولها.
وأدب الهمباتة الحافل بصلصلة السيوف، وخوار السهام، وردينة الرماح، وقعقعة السلاح، والمترع بصور المركبات المهشمة، والنوق النافقة في بلاد النيلين، مثله مثل أدب الشعراء الصعاليك نابع عن 'الذات المتضخمة' التي أخذت تعد طعامها وطعام غيرها، وتعده في إتقان، حتى تقدمه لتلك الطائفة التي لا يطرأ على حياتها تحول متصل، أو نذر قليل من التغيير.
فهي تقدم لنا دائمًا هذه الصور التي توحي دائمًا أنها انحرفت بعيدًا عن مثل وقيم آبائها الأخلاقية، ولها في ذلك عذر، فهي لم تقم في تلك الصحاري الجرداء وفي القفار الموحشة، والبراري الحافلة بالأخطار، إلا لتضطلع وحدها بتلك المهمة السامية، المهمة التي منعتها عن المضي قدمًا في سيرها المستقيم، وجعلتها خاضعة لتلك الوثبات البعيدة، التي نأت بها عن المجتمع الذي تراه يبغض الفقر، ويضطهد صاحبه، ويقاوم الإحسان.
فالهمباتة كما يقول الأستاذ 'عثمان ميرغني' الكاتب والصحفي المطبوع، في مقاله: 'أدب الهمباتة' المنشور بصحيفة سودانايل، هو:
'مصطلح سوداني، أُطلق على مجموعات من قُطّاع الطرق، استمرت تقترف هذه 'الجرائم' منذ ما قبل العهد التركي في السودان إلى ما بعد الاستقلال، تمارس سرقة الإبل، بالتحديد الإبل لا غيرها، في الصحاري والسهول والجبال، في مختلف أنحاء السودان، واشتهرت منهم أسماء وصلت درجة 'النجومية' منهم طه الضرير، والطيب ود ضحوية وآخرون.
كان لهؤلاء 'الهمباتة' التزام قاطع بالاكتفاء فقط بسرقة الإبل دون المساس بأصحابها، إلا إذا حاولوا حمايتها ومنعهم من سرقتها، واشتهر 'الهمباتة' بالمظهر الأنيق، يرتدون أجمل وأفضل الثياب، وعُرفوا بالفصاحة والقدرة على ارتجال الأشعار، التي لا تزال محفوظة في التراث الشعبي السوداني، وتحتشد في دواوين شِعر كبيرة، كان 'الهمباتة' يبررون لإجرامهم بأنهم يأخذون من أموال الأغنياء ليردوها على الفقراء، ويستدلون على ذلك أنهم ينحدرون من بيوت مُنعّمة وأنساب فخمة، وأنهم لا يعتدون على امرأة ولا رجل ضعيف.'
وحتى نفسح المجال واسعًا للقارئ العربي حتى يحكم على نصوصهم التي انطلقت من غطرسة شاسعة بلا حواجز، وغرور فج لا يضاهيه غرور، فالاختيال والإعجاب بالنفس هو القالب البنائي الذي صبوا معانيهم فيه، وهو محتد لا نريد أن يحظى بأكثر من تلك الالتفاتات والعناية التي وجهناها إليه.
ولعل الحقيقة الكاملة التي يجدر بنا أن نكشف عنها بين ثنايا هذا المقال الذي اتسع واستطال، أن الكثير من أدب الهمباتة لا يمكن فهمه بعيدًا عن تلك الصور المتعددة التي استمدها الشاعر من الأغوار التي تصعد حينًا وتنحدر حينًا، البيداء الرحبة، والهضاب الفسيحة، والسهول الواسعة، التي تضفي على شعره هذا معالم التكثيف والتوهج.
فعامل المكان، وعتمة الليل التي تزدهر فيها صنعة الشاعر الهمباتي، ولا يخشى فيها على نفسه، بل ينتمي إليها ويفخر بكل ما يتصل بها، عامل الزمان والمكان الذي يعد من أقوى العوامل في وجهة نظرنا التي جعلت أدب الهمباتة لا يستحوذ على إشراقات جديدة ورؤى ومشاعر مختلفة، لأنه دار في نفس المدار الذي سلكه 'السليك بن السلكة' وجماعته، وكرس لنفس الفكرة التي جعلتهم يقتحموا كل مجهول ومحرم ومذموم.
فأولئك وهؤلاء شركاء في التمرد، والتباهي، والعبث، والتناقض، والفوضى.
وبالنظر إلى القصائد التي ابتدعتها تلك الطائفة المتجانسة في الفلسفة والأخلاق، والتمرد، والإلهام، فلا نجد فيها عمقًا يشهد به الرائح والغادي على أدبهم، ولكنها تجربة داخلية لشاعر شحذ لها الفخر والاعتداد بالنفس الشكل الشعري الواجب استخدامه، فلا نجد فيها تلك 'الانتقائية' التي تعزز من حضور السلاسة، والموسيقى، والتناغم، والخيال.
فمعظم أشعار 'الهمباتة' قد ركنت إلى شيء ثابت، فهي خلاف أنها تحررت من الشكل العروضي المتوارث، وأنها لم تحرص على الاعتناء بالخيال، نجدها انكفأت على الأنساق القيمية والثقافية التي يؤمن بها الشاعر 'الهمباتي' بشكل كبير.
لذا نجد أن السمة التي يمكن رصدها، وهي من اليقينيات الكبرى في 'أدب الهمباتة' أن قصائدهم استحالة أن تتخلى عن نرجسيتها وزهوها وتمحورها حول ذاتها.
وحتى نصل إلى نتيجة مثمرة، نزعم أن أدب 'الهمباتة' قد انسجم مع أدب 'الشعراء الصعاليك' في وحدة عضوية متكاملة، فلكلا 'الأدبين' نفس الخصائص، والمكونات، والروافد، والأفكار، والرؤى.
فقصائد 'الشعراء الصعاليك والهمباتة' تباشر موضوعاتها من أبواب التمرد على كل ما هو سائد ومسيطر، كما نجد فيها الإغراق في الوصف، الذي صاغ فيه هؤلاء الشعراء عباراتهم التي خلت من التكلف والخيال على قوالب شتى.
ولعل الظاهرة الأقوى دويًا والأبعد رنينًا، أن 'الصعلوك والهمباتي' لم ينعما بخفض العيش، ويستقرا في مهاد النعمة، لأن كليهما يرى أن الحياة لا تصلح للبقاء إذا خلت من التكافل الاجتماعي، وإطعام الفقير المعدم، فأي فرد منهم لم يشف على الهلاك والتلف، إلا من أجل تحقيق هذه الغاية.
ومن السمات المتقاربة بين قصائد الفرقتين، أن مقطوعاتهم ونظمهم لا يأتي في صياغة عمودية، فالشعراء الصعاليك والهمباتة أشاحوا عن هذا المفهوم الراسخ، فنجد الكثير من قصائدهم منزوعة من هذا المفهوم أو العرف الذي تواضع عليه الناس، فنجد أن أشعارهم معظمها تأتي على شاكلة أبيات قليلة خاضعة للأنا والغرور، ولا تنساب هذه الأبيات إلى الوجدان لأنها تعاني من عبء مناوشة الخصوم، وفداحة الجرأة على الخروج من النسق المتواتر بين الشعر.
نواصل ما اتصل الأمد












































