اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦
هرج يعمّ الفضائيات الخاصة في الجزائر، تتعدّد أسماؤها من غير أن يتعدد المضمون، نشرات الأخبار متشابهة في ما بينها، كما أن من يُطلق عليهم محللون، سواء في السياسة أو الرّياضة، يتنقلون من بلاتو لآخر، كمن يخرج من غرفة ويلج أخرى، هكذا تصير قنوات بوجوه واحدة، إلى درجة أن المشاهد لا يشعر بفرق عندما يقفز من فضائية إلى أخرى، كما أن مصادرها للمعلومة تكاد تتقاطع في وكالة الأنباء الرّسمية، وهي قنوات تلهث خلف «ترند»، تسابق مواقع التواصل الاجتماعي أو تقتبس منها دون أن تفلح في تجاوزها.
إزاء هذه الحالة من الهرج الإعلامي، يبدو أن مشروع قناة موجّهة للأطفال واليافعين مشروع ثوري، بل تنويري في الوقت نفسه، يخرج من سياق التشابهات ومن حيز التكرار، ويكرّس الاستثناء.
لذلك عندما نشاهد قناة (Algerian 4 kids)، نشعر أن طفرة قد حصلت، سواء على صعيد الهوية البصرية أو نوعية البرامج التي تقترحها على جمهور من الأطفال أو أولياء أمورهم.
ولطالما كانت الجزائر في حاجة إلى قناة موجهة للصغار، تأخر هذا المشروع لكن أن يصل بعد طول انتظار فذلك أفضل من أن لا يصل. وبات مباحًا أن نخوض في إعلام موجه للفئات العمرية الناشئة، ومن ميزات هذه القناة أنها لا تحصر محتواها في التسلية أو تمضية الوقت، لا تعرض أفلام كرتون فحسب، أو أناشيد خفيفة بما يلائم الفئة التي تتوجه إليها، ليست مجرد فسحة لأوقات الفراغ، بل أنها تولي عناية في ثقافة الطّفل في المجمل، تطرح قضايا من الرّاهن ومن الحياة وفق منظور تعليمي وبيداغوجي، وتحاول كذلك أن تلعب دورًا في تشكيل خيال الأطفال، بما يحول دون أن يبقوا عرضة لقنوات أجنبية لا تشبههم. تحوّلت قناة (Algerian 4 kids) في وقت وجيزة إلى عنوان لامع في البيئة الإعلامية الحالية، ومرآة ننظر فيها إلى ما يرجوه الأطفال واليافعون في البلد، ابتكرت لنفسها لغة بما يتيح فهمها من شمال الجزائر إلى جنوبها، غامرت صوب تحديات معرفية وأخرى تربوية أو ثقافية، لم ترتكن إلى الخيار السهل بأنها قناة فضائية للأطفال فتعرض ما تيسر من برامج، ولا تقتبس من السوشيال ميديا كما يفعل آخرون، بل تتنتج برامجا لها، بما يساير أهواء الفئة التي تخاطبها، بل صارت مشروعًا تلفزيونيا قائما في حدّ ذاتها وبوسعها أن تضاعف من متابعيها.
كما أن من برامجها ما يصلح للفئات العمرية من البالغين.
لا منافس لها في الوقت الحالي، إذا أن برامج الأطفال نفسها تعدّ الخاصرة الرّخوة في الفضائيات الخاصة الأخرى، وبالكاد من يبادر إليها، بذلك إن هذا الوضع يؤهل هذه القناة أن تتبوأ الصدارة في مشهد إعلامي يخاطب فئة البالغين ويلغي الأطفال من خارطته.
ثمّ أنّها قناة تضع مصلحة اليافعين في تحديد خيارتها التحريرية، هكذا تكسب مكانة لها خارج المعتاد، وتصير ذات هوية تميزها غيرها، وهذا أمر من شأنه أن يضاعف من طموح القائمين عليها.
عندما نتحدّث عن قناة موجّهة للأطفال، فإنّ أهميتها لا تنحصر في لغتها ولا في متعة برامجها، بل كذلك في التزامها بالدّور المنوط به، في ضرورة أن تمتلك قدرة على المبادرة، في مساعدة الطفل أو اليافع في فهم نفسه وفي فهم المحيط الذي يعيش فيه، أن يتفاعل مع ما حوله بشكل صحي لا برعونة، لذلك يجدر ألا تتكلّ على إعلاميين فحسب، ولا في إظهار أطفال متطوعين على الشاشة، بل يتحتم عليها الاتّكال كذلك على مختصين في علم نفس الأطفال. لأن الطفل لا يشاهد التلفاز وفق المنطق نفسه مثل البالغ، والذي يرجو سماع أخبار ونتائج مباريات الكرة، بينما الطفل يرجو نماذج يقتدي بها في حياته اليومية، هكذا تصير قناة للأطفال بقدر أهميتها فإنها تملأ فراغًا لا يخلو من خطورة ومن حساسية، لأن على عاتقها أن تلعب دورًا في توجيه الجمهور الذي يشاهدها، أن تكون سببًا في توجيه الذّائقة نحو الخيار الأكثر ملائمة، لذلك فإن المشروع الأهم في (Algerian 4 kids) لا يتعلق بالبرامج ولا كثافته، ولا يتعلق بساعات البث ومواعيدها، بل في قدرتها على أن تجعل الطفل يكتشف نفسه، بأن لا تحجب قدرته على النقد فلا يكون مجرد تابع أو متلقّ لما يجري بثّه كلّ يوم. بل ينبغي أن تحترم ذكاء الفئة التي تتوجّه إليها. لأن الحشو بأفلام كرتون مثلًا إنما دليل على فشل في الابتكار الإعلامي.
وقناة الأطفال الأكثر نجاحا هي القناة التي تغذي روح الفضول في مشاهديها. ففي الغالب يصل الأطفال إلى التلفاز بعد المدرسة، بعد أن يؤدوا واجبهم في الدروس والتمارين، وإذا حرصت القناة على برامج تعليمية مشابهة لبرامج المدرسة فإن الطفل سوف يشعر بأن الأمر مرهق له نفسيًا وقد ينصرف عنها.
يجدر بها أن تقتبس من الحكايات الشعبية، من الأدب والموسيقى والفنون، بما يتيح لليافعين أن يشاهدوا التلفزيون من منظور أكثر متعة ولا يشعروا بأنهم بصدد واجب من واجبات التعليم.
وكما أسلفنا بما أنها قناة ليس لها منافس، في الوقت الحالي، لا بدّ ألا نغفل بأن الكثير من الأطفال يستغلون موبايلات الأولياء في ساعات الفراغ، والمنافسة تتأتى من مواقع مثل فيسبوك أو تيك توك، كي نجعل الطفل لا يسرف فيها، ويستعيض عليها ببرامج تعنى بفضوله وتحترم ذكاءه في التلفزيون.












































