اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٦ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - لم تعد الشائعة في زمننا تحتاج إلى اختراع حادثة كاملة. أحياناً يكفي مشهد حقيقي، وصورة حقيقية، ودخان يتصاعد بالفعل، ثم تُضاف إليها معلومة واحدة كاذبة فتتغير القصة كلها. وهنا تكمن خطورة التضليل الحديث؛ فالكذبة الكاملة يمكن كشفها بسهولة، أما الكذبة التي تختبئ داخل جزء من الحقيقة فهي أكثر قدرة على الانتشار والإقناع.
حادثة حريق مصنع الدهانات في منطقة الهاشمية بمحافظة الزرقاء تقدم نموذجاً واضحاً. المعلومات الرسمية تحدثت عن حريق تعاملت معه فرق الدفاع المدني وتمكنت من السيطرة عليه وإخماده ومنع امتداده، مع تسجيل خمس إصابات بضيق التنفس غادرت المستشفى بعد تلقي العلاج، وتشكيل لجنة للوقوف على أسباب الحريق.
لكن المشهد نفسه ظهر في رواية إعلامية مختلفة تماماً، بعدما نُسب إلى قناة 'أي نيوز' تقديم النيران والدخان على أنهما نتيجة 'قصف استهدف قاعدة عسكرية أميركية داخل الأردن'.
وهنا تبدأ القضية التي تستحق التوقف عندها، بعيداً عن حادث المصنع نفسه: كيف يمكن أخذ واقعة حقيقية وتجريدها من سياقها ثم إعادة تقديمها باعتبارها حدثاً أمنياً وعسكرياً لم تثبته الوقائع المعلنة؟
فالحريق حقيقي، والدخان حقيقي، والمشهد من الأردن بالفعل، لكن الصورة لا تخبرنا وحدها لماذا اندلعت النيران، ولا طبيعة الموقع، ولا ما إذا كان ما نشاهده حادثاً صناعياً أو عملاً عسكرياً. وعندما يوضع وصف غير صحيح فوق فيديو حقيقي، يصبح التضليل أكثر خطورة لأن المشاهد يعتقد أن ما يراه بعينه يؤكد ما يقرأه.
وهذه واحدة من أهم قواعد عصر المعلومات الجديد: ليس كل فيديو حقيقي خبراً حقيقياً.
لماذا تنتشر مثل هذه الروايات؟
الإجابة ترتبط بالظرف الذي يعيش فيه الأردن والمنطقة. المواطن الأردني تابع خلال الفترة الماضية صواريخ ومسيّرات واعتراضات جوية وتصعيداً إقليمياً حقيقياً، ولذلك فإن صورة دخان أو انفجار لا تصل إليه في بيئة طبيعية، بل في مناخ يجعل الرواية العسكرية أكثر قابلية للتصديق.
وهذه تحديداً هي البيئة التي تنجح فيها الشائعة. فهي لا تقدم للناس دائماً شيئاً مستحيلاً، وإنما شيئاً يشبه ما حدث سابقاً بما يكفي لجعل المتلقي يتوقف ويسأل: 'هل حدث هجوم جديد؟'.
ومن هنا فإن خطورة التضليل لا تقاس فقط بعدد الذين يصدقونه بالكامل. يكفي أحياناً أن يزرع الشك، وأن يجعل المواطن يتساءل إن كانت هناك معلومات مخفية، أو أن يضع أمامه روايات متعددة للحادثة نفسها حتى يصبح عاجزاً عن معرفة أيها الصحيح.
فالغاية في بعض أنماط التضليل ليست بالضرورة أن تقنع المجتمع بحقيقة بديلة، بل قد تكون إرباك ثقته بالحقيقة نفسها.
من يسبق في الدقائق الأولى؟
في أي حادث كبير توجد فترة قصيرة بين وقوعه وظهور المعلومات المؤكدة عنه. يرى الناس الدخان، تنتشر المقاطع، تبدأ الأسئلة، ويبحث الجميع عن تفسير. هذه الدقائق القليلة هي البيئة المثالية للشائعة.
ولهذا أصبحت سرعة المعلومة الرسمية جزءاً أساسياً من مواجهة التضليل. وفي حادث الزرقاء أعلنت مديرية الأمن العام أثناء التعامل مع الواقعة أن فرق الدفاع المدني تتعامل مع حريق مصنع دهانات في الهاشمية، على أن تصدر التفاصيل لاحقاً.
وهذه الآلية مهمة، لأن الجهة الرسمية ليست مطالبة في اللحظة الأولى بمعرفة سبب الحريق ونتائج التحقيق وكل التفاصيل، لكنها تستطيع أن تقول للمواطن بسرعة: هذا ما حدث، وهذا ما نعرفه حتى الآن، وسنخبركم بالباقي عندما نتأكد منه.
فالشائعة لا تنتظر اكتمال التحقيق. وإذا سبقت الرواية المضللة الحقيقة بنصف ساعة، فإن الحقيقة عندما تصل لا تبدأ من الصفر، بل تبدأ وهي تحاول تصحيح انطباع تشكل بالفعل.
لذلك فإن مواجهة الشائعة لا تكون بالنفي فقط، بل بتقليل المساحة الزمنية التي تستطيع أن تعيش فيها بلا منافسة من المعلومة الصحيحة.
الثقة لا تعني التصديق الأعمى
لكن المسؤولية لا تقع على المواطن وحده، ولا يمكن مواجهة الشائعة بالقول للناس ببساطة: صدقوا المصدر الرسمي ولا تسألوا.
الثقة لا تُفرض؛ بل تُبنى. وكلما كانت المؤسسة الرسمية سريعة ودقيقة وصريحة، حتى عندما تكون المعلومات غير مكتملة أو غير مريحة، ارتفعت قدرتها على مواجهة التضليل في اللحظات الحساسة.
والإعلام المهني أيضاً ليس مطلوباً منه أن يتحول إلى ناقل للبيانات الرسمية، بل أن يتحقق منها ومن غيرها. وإذا لم يستطع التأكد من رواية ما، فإن عبارة 'لم نتمكن من التحقق' أكثر مهنية من نشر معلومة مثيرة ثم تصحيحها بعد انتشارها.
كما يجب ألا نخلط بين التضليل والنقد. انتقاد الحكومة ليس شائعة، ومناقشة الرواية الرسمية ليست تضليلاً، والاختلاف السياسي حق طبيعي. لكن هناك فرقاً واضحاً بين الاختلاف في تفسير الواقعة وبين اختلاق واقعة أخرى.
الذكاء الاصطناعي يجعل القادم أصعب
وإذا كان مثال الزرقاء يتعلق باستخدام مشهد حقيقي ضمن سياق مختلف، فإن التحدي المقبل سيكون أكبر. التقنيات الحديثة أصبحت قادرة على إنتاج صور ومقاطع وأصوات شديدة الإقناع، بما يعني أن المواطن قد يواجه مستقبلاً فيديو لحدث لم يقع أصلاً، أو تسجيلاً بصوت مسؤول لم يتحدث، أو بياناً مزوراً يبدو للوهلة الأولى مطابقاً للبيان الرسمي.
ولهذا لم تعد عبارة 'رأيته بعيني' كافية لإثبات شيء.
السؤال أصبح: من نشره؟ متى صُوّر؟ أين؟ وهل هناك مصدر آخر مستقل يؤكد الرواية؟ وهل ما يقوله العنوان هو فعلاً ما يثبته الفيديو؟
وهذه ليست مهارات صحفية فقط، بل أصبحت مهارات مواطنة وأمن مجتمعي ينبغي أن يتعلمها الطالب في المدرسة، والموظف في عمله، والمواطن الذي يحمل هاتفاً يستطيع من خلاله إيصال خبر إلى آلاف الأشخاص.
المواطن ليس متلقياً فقط
هناك خطأ نرتكبه جميعاً عندما نتعامل مع الشائعة وكأن هناك جهة تصنعها وجمهوراً يستقبلها. في الحقيقة، كل شخص يعيد إرسال الخبر يصبح جزءاً من سلسلة نشره، حتى لو فعل ذلك بحسن نية.
وقد تصل المعلومة الكاذبة من أخ أو صديق أو شخص نثق به، لكن ثقتنا بأخلاق المرسل لا تثبت صحة ما أرسله. فقد يكون هو نفسه قد وقع ضحية التضليل قبل دقائق.
لذلك ربما تكون القاعدة الأبسط والأكثر فاعلية هي: إذا لم تستطع التأكد من أن الخبر صحيح، فلا تمنحه مصداقيتك بإعادة نشره.
ولا يحتاج المواطن إلى أن يكون خبيراً في الأمن الرقمي. يكفي أن يتوقف لحظة ويسأل عن المصدر الأصلي، وتاريخ الفيديو، والمكان، وما إذا كانت جهة موثوقة أكدت الواقعة.
الحرب على الوعي لا تحتاج إلى عبور الحدود
هنا نصل إلى جوهر القضية. ليس من الضروري أن نعرف في كل مرة من يقف وراء رواية مضللة حتى ندرك خطورتها، كما لا يجوز أن ننسب إلى جهة ما أهدافاً أو عمليات منظمة من دون أدلة تثبت ذلك. لكن المؤكد أن التضليل أصبح جزءاً من بيئة الصراعات الحديثة، وأن المجتمعات التي تعيش قرب مناطق التوتر تكون أكثر عرضة للروايات المتنافسة.
والهدف الأخطر ليس دائماً أن تجعل المواطن يصدق كذبة واحدة، بل أن تجعله يشك في كل شيء. فإذا وصل المجتمع إلى مرحلة لا يثق فيها بالمؤسسة ولا بالإعلام ولا بالصورة ولا بالخبر، يصبح التمييز بين الحقيقة والكذب أكثر صعوبة، وتصبح الشائعة أكثر قدرة على العمل.
لهذا فإن حماية الوعي الوطني لا تكون بمنع السؤال أو تخويف الناس من النقاش، بل بالعكس: بمعلومة أسرع، وشفافية أكبر، وإعلام مهني، ومواطن يعرف كيف يتحقق قبل أن يشارك.
حريق الزرقاء أكبر من حريق
يمكن إطفاء النيران في مصنع خلال ساعات، لكن الرواية الكاذبة قد تبقى على الإنترنت سنوات، ويمكن أن يعاد استخدامها لاحقاً في سياق آخر، أو في دولة أخرى، أو باعتبارها دليلاً على حادثة جديدة.
وهذا هو الدرس الحقيقي من واقعة الزرقاء. فالمشهد وقع في مكان، لكن قصته يمكن أن تُصنع في مكان آخر ثم تعود إلينا عبر شاشة أو حساب أو رسالة واتساب باعتبارها 'معلومة جديدة'.
لذلك فإن المعركة ليست فقط على من يملك الصورة، بل على من يمنح الصورة معناها أولاً.
الدولة تستطيع حماية حدودها بالرادارات، ومؤسساتها بأنظمة الأمن السيبراني، لكن حماية وعي المجتمع تحتاج إلى شيء آخر: الثقة والمعلومة السريعة والشفافية والإعلام الذي يتحقق والمواطن الذي لا يسمح لمشاعره بأن تختار له ما هو صحيح وما هو كاذب.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم في حادثة الزرقاء: لماذا جرى تقديم حريق مصنع باعتباره قصفاً لقاعدة عسكرية؟ بل ماذا تعلمنا نحن من ذلك؟
تعلمنا أن الصورة الحقيقية يمكن أن تحمل رواية كاذبة، وأن الخبر المضلل قد يكون أكثر إقناعاً عندما يحتوي على جزء من الحقيقة، وأن دقائق الصمت الأولى قد تكون كافية لصناعة قصة يصعب تصحيحها لاحقاً.
ولهذا، فإن أخطر الحدود التي يمكن أن يحاول التضليل اختراقها اليوم ليست حدود الأردن الجغرافية، بل المسافة القصيرة بين شاشة الهاتف وعقل المواطن.
وحماية هذه المسافة لا تحتاج إلى منع الناس من المعرفة، بل إلى العكس تماماً:
أن تصل إليهم الحقيقة قبل أن يجد الكذب مكاناً لها.












































