اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
من يدفع ثمن القرار المؤجل؟
ثمة خسائر لا تظهر في الموازنة العامة، ولا تسجلها دفاتر المحاسبة. خسائر لا تنشأ عن أموال أُنفقت، بل عن قرارات تأخرت، ومعاملات بقيت معلّقة، ومشاريع فاتها وقتها.
هذا ما يمكن تسميته «اقتصاد الانتظار»؛ اقتصاد لا نراه في الجداول المالية، لكننا نلمس أثره في كلفة الاستثمار، وفي حياة الناس، وفي فرص كان يمكن أن تتحول إلى مشاريع منتجة.
فمن يملك صلاحية اتخاذ القرار قد لا يتحمل كلفة تأخره، بينما يتحمل صاحب المعاملة تلك الكلفة، دون أن يعرف متى ينتهي انتظاره.
متى تصبح الموافقة الإضافية عبئاً على القرار؟
يدور في بعض الأوساط المعنية بمعاملات الترخيص في أمانة عمّان حديث عن توجه لإحالة معاملات المشاريع التي تتجاوز مساحاتها خمسة آلاف متر مربع إلى رئاسة الوزراء بعد استكمال دراستها لدى الأمانة، وقد يشمل ذلك مشاريع مطابقة ومستوفية للمتطلبات، لا طالبة الاستثناءات وحدها. ولا تتوافر لدي وثيقة رسمية تثبت اعتماد هذا الإجراء أو تحدد نطاقه، ولذلك لا أتعامل معه باعتباره قراراً قائماً.
لكن المسألة تستحق النقاش، سواء تحول هذا الحديث إلى إجراء فعلي أم لا.
فإذا استكملت الجهات المختصة دراسة مشروع، وثبتت مطابقته للتشريعات والاشتراطات النافذة، فما الذي تضيفه موافقة أخرى إلى سلامة القرار؟ وهل تستند إلى مقتضى قانوني أو فني محدد، أم أنها قد تصبح حلقة إضافية في مسار إداري طويل؟ فكل مستوى إضافي ينبغي أن يضيف قيمة محددة، لا مجرد توقيع جديد.
هنا ينبغي التمييز بين إحالة معاملة للتنسيق أو إبداء الرأي، وبين اشتراط موافقة إلزامية جديدة قبل الترخيص. كما لا يجوز الخلط بين مشروع يطلب استثناءً من الأحكام التنظيمية، ومشروع مستوفٍ للشروط لا يطلب سوى تطبيق القانون.
وتتناول المادة 40 من نظام التخطيط والتنظيم داخل حدود أمانة عمّان رقم 81 لسنة 2025 المشاريع ذات الطبيعة الخاصة، ومن معاييرها مساحة أرض لا تقل عن عشرة دونمات أو مساحة بناء لا تقل عن عشرة آلاف متر مربع. وهذه المعايير لا تعني بذاتها اشتراط موافقة رئاسة الوزراء. أما عتبة الخمسة آلاف متر مربع المتداولة، إن صح وجودها، فيبقى السؤال عن سندها القانوني والفني، وهل تقيس مساحة الأرض أم مساحة البناء، فهما معياران مختلفان.
واللافت أن الاتجاه المعلن يسير نحو التفويض. فمع بدء العمل بنظام التخطيط والتنظيم مطلع عام 2026، أعلنت الأمانة أن لمديرية التخطيط ومديرية تراخيص الأبنية صلاحية البت في بعض المعاملات المطابقة دون الرجوع إلى اللجان. وأوضح المدير التنفيذي للتراخيص، في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء الأردنية بمناسبة إقرار مجلس الوزراء نظام رخص الإعمار والرقابة عليها لسنة 2026، أن الأبنية المطابقة أو ذات المخالفات البسيطة يمكن ترخيصها لدى المرجع المختص خلال مدة لا تتجاوز خمسة أيام عمل، وأن صلاحيات القرار تتدرج كلما زادت المخالفة أو حجمها. وهذه المدة لا تنطبق على جميع المشاريع، لكنها تعكس توجهاً معلناً نحو تقليص الإجراءات. والأهم أن تدرّج صلاحيات البت، بحسب التصريح، يرتبط بالمخالفة وحجمها؛ فلا يصح افتراض أن كِبَر مساحة المشروع المطابق يقتضي وحده تصعيد معاملته إلى مرجع أعلى. وهو توجه يصعب التوفيق بينه وبين أي إضافة لمستوى جديد من الموافقات على معاملات مستوفية، إن صح ما يتردد.
ولا أحد يجادل في أهمية دور الجهات المركزية في رسم السياسات والتنسيق بين المؤسسات وحماية المصلحة العامة. لكن هذا الدور لا يتعارض مع تمكين الجهات المختصة من ممارسة صلاحياتها، واتخاذ قراراتها ضمن حدود القانون.
فالدولة القوية لا تُقاس بعدد القرارات التي تصعد إلى مركزها، بل بقدرة مؤسساتها على اتخاذ القرار الصحيح، ضمن اختصاصاتها، وتحمل المسؤولية عنه.
من يدفع فاتورة الانتظار؟
في عالم الاستثمار، الوقت ليس تفصيلاً إدارياً. إنه كلفة حقيقية تدخل في حسابات التمويل والإنشاء والتشغيل، وقد تحدد أحياناً ما إذا كان المشروع سيبقى مجدياً أم لا.
حين تتأخر معاملة دون موعد واضح للبت فيها، لا تتوقف الالتزامات. فهناك تمويل، وعقود، وترتيبات مع مقاولين وموردين، وفرص مرتبطة بظروف السوق لا تنتظر إلى أجل غير معلوم.
وبالطبع، ليس كل تأخير خطأً إدارياً. فبعض المشاريع يحتاج إلى دراسات فنية أو بيئية أو قانونية تستغرق وقتاً مشروعاً، وقد يكون التريث فيها واجباً لحماية السلامة العامة وحقوق الآخرين. لكن الفارق كبير بين وقت تحتاجه الدراسة، ووقت يضيع لأن المعاملة تنتقل بين مستويات متعددة، أو لأن المسؤولية عن القرار ليست واضحة.
ولنأخذ مثالاً افتراضياً: مشروع قيمته خمسة ملايين دينار، تأخر ترخيصه ستة أشهر، وكان ثلاثة ملايين دينار من تمويله تتحمل كلفة سنوية مقدارها 8% طوال تلك الفترة. وفق حساب مبسط، تبلغ كلفة التمويل النظرية خلال الأشهر الستة 120 ألف دينار.
لا يعني ذلك أن المبلغ كله خسارة إضافية صافية؛ فالأمر يعتمد على شروط التمويل وتوقيت السحب والالتزامات الفعلية. لكنه يكفي لتوضيح أن الزمن قد يتحول إلى بند مالي مؤثر في جدوى المشروع.
ثم إن الأثر لا يتوقف عند المستثمر. فقد يمتد إلى المقاول الذي ينتظر بدء العمل، والتاجر الذي ينتظر توريد المواد، والعامل الذي ينتظر فرصة تشغيل. وليس من الدقة اعتبار كامل قيمة المشروع المؤجل خسارة للاقتصاد، أو جمع الآثار المتداخلة وكأنها خسائر مستقلة. لكن من الخطأ أيضاً التعامل مع التأخير وكأنه بلا ثمن.
القرار الصحيح… في الوقت الصحيح
ما يحتاجه المستثمر ليس وعداً بالموافقة، بل وضوحاً في الإجراءات، ومعرفة بالمتطلبات، وقراراً يصدر خلال مدة معقولة ومعلومة، سواء أكان بالموافقة أم بالرفض المعلل.
فالمستثمر يستطيع أن يحسب الرسوم وكلفة الأرض والتمويل والإنشاء، لكنه يصعب عليه بناء دراسة جدوى دقيقة إذا بقي زمن الحصول على القرار مجهولاً. ولهذا فإن استقرار الإجراءات لا يقل أهمية عن استقرار التشريعات. وحين يصبح زمن الترخيص غير قابل للتوقع، لا تتأثر جدوى مشروع واحد فحسب؛ بل تتأثر قدرة المدينة على المنافسة في جذب الاستثمار والاحتفاظ به.
ولا تعني الدعوة إلى تسريع القرار التساهل في متطلبات السلامة أو البيئة أو حقوق الجوار، ولا تجاوز الرقابة التي يفرضها القانون. المطلوب أن تؤدي كل جهة دورها، وأن يكون لكل إجراء سبب، ولكل مرحلة أفق زمني معروف.
حتى التحول الرقمي لن يحل المشكلة وحده. فما الفائدة من نقل المعاملة من الورق إلى الشاشة إذا بقيت تنتظر الموافقات ذاتها، وبالمدد غير المحددة نفسها؟ الرقمنة تختصر المسافة بين المكاتب، لكنها لا تختصر المسافة بين تقديم الطلب واتخاذ القرار.
من إدارة المعاملة إلى إدارة المسؤولية
لا أعتقد أن معالجة اقتصاد الانتظار تبدأ دائماً بتشريع جديد. ففي كثير من الحالات، قد يكون الأجدى مراجعة طريقة إدارة الإجراءات القائمة، وكيفية توزيع المسؤوليات ومتابعة الإنجاز.
الاختبار الحقيقي ليس المدة المعلنة لإنجاز المعاملة، بل المدة التي تستغرقها فعلياً. ولا تتوافر في هذه المقالة بيانات موثقة تسمح بتقدير متوسط تلك المدد في الأمانة؛ ومن هنا تبدأ الحاجة إلى مؤشرات منشورة تكشف مواضع التأخير وأسبابه وسبل معالجته، وإلى آلية واضحة لحسم الخلافات الفنية والإدارية، وتوحيد تفسير الاشتراطات، وتحديد الجهة المسؤولة عن متابعة المعاملة حتى صدور القرار النهائي.
ومن المهم أن يبدأ احتساب مدة الإنجاز من تاريخ اكتمال متطلبات المعاملة، وأن تكون حالات وقف احتساب المدة محددة ومعللة، مع إبلاغ صاحب العلاقة بأسبابها. فلا تُحمّل الإدارة مسؤولية نقص الوثائق، ولا يُترك المواطن أو المستثمر في انتظار مفتوح دون تفسير.
ويُسأل المسؤول عادة عن القرار الذي اتخذه، فمن يُسأل عن معاملة استوفت متطلباتها وبقيت معلقة لأن لجنة أعادتها إلى لجنة، أو لأن أحداً لم يشأ تحمل التوقيع؟ حين يصبح التأجيل أسلم من القرار، وتتحول عبارة «قيد الدراسة» إلى مساحة لا يعرف صاحبها متى يغادرها، يختل مفهوم المسؤولية.
وتقتضي المساءلة تحديد المسؤول عن كل معاملة، وتوثيق سبب كل إحالة أو تأجيل، وتصعيد المعاملة إلى المرجع المختص عند تجاوز المدة، وإخضاع حالات التأخير غير المبرر لمراجعة جهة رقابية مستقلة وفق اختصاصها القانوني. لكنها يجب أن تكون عادلة. فلا يجوز أن تتحول المطالبة بسرعة الإنجاز إلى ضغط على الموظف لاتخاذ قرار غير مدروس، أو إلى معاقبته على اجتهاد مهني معلل صدر بحسن نية.
نريد إدارة تحمي القرار الصحيح، وتحمي في الوقت نفسه صاحب المعاملة من التأخير غير المبرر. والقاعدة التي أراها جديرة بأن تصبح جزءاً من ثقافة العمل الإداري: لكل معاملة مسؤول، ولكل مرحلة مدة، ولكل تأخير سبب موثق.
الزمن العام… مسؤولية من؟
وإذا كانت بعض الموافقات الإضافية ضرورية بموجب التشريعات، فلتكن واضحة في غايتها واختصاصها ومدتها. ولسنا أمام دعوة لتقليص الرقابة، بل إلى جعلها أكثر كفاءة.
غير أن الحديث المتداول يستوجب توضيحاً رسمياً من الأمانة والجهات المعنية: هل هناك إجراء بهذا المعنى؟ وما سنده القانوني ونطاقه ومدته؟ وهل يشمل المشاريع المطابقة؟ فإذا استكملت الجهات المختصة دراسة المشروع وثبتت مطابقته، فمن يملك قانوناً إضافة موافقة جديدة، ومن يتحمل كلفة الوقت الذي تستغرقه؟
وكما نحرص على حماية المال العام من الهدر، ينبغي أن نحرص على حماية الزمن العام من الضياع. فالقرار الذي يأتي بعد فوات الفرصة قد يكون صحيحاً في إجراءاته، لكنه متأخر في أثره.
وحين يصبح الانتظار كلفة لا يتحملها صاحب القرار، فإن إصلاح الإدارة يبدأ من الاعتراف بأن الزمن مسؤولية، لا مجرد مدة تمر.












































