اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦
رؤى مصطفى
نميل إلى الاعتقاد بأننا نعرف الآخرين من ملامحهم وطريقة حديثهم وما يظهرونه من طباع، غير أن النفس البشرية أوسع من الانطباعات الأولى. فلكل إنسان عالم تتداخل فيه الذكريات والرغبات والمخاوف، وتتكون في زواياه تفاصيل تعجز النظرة السريعة عن الإحاطة بها.
وراء الهدوء أحيانًا حياة مزدحمة بالأسئلة، وخلف الجدية روح تتوق إلى المرح. قد يبدو المرء متحفظًا في مجلس، ثم يكشف في مجلس آخر عن خفة ظل ودفء مفاجئين. تتغير درجة انفتاحه بحسب المكان ومن يشاركه الجلوس، وتظهر من شخصيته مساحات ظلت بعيدة عن الأنظار.
ثمة من يجدون في الخلوة رفقة لا تشبه سواها؛ يقضون ساعات بين الكتب والأوراق، يستقبلون الفجر في صحبة الأفكار، ويغادرون مكاتبهم مع عودة الطيور إلى أعشاشها. تبدو حياتهم هادئة من الخارج، لكنها تتسع لحوارات خفية بين قارئ وكتاب، وبين ذاكرة توقظها جملة وخيال يفتح أبواب الاحتمال.
تمنح العزلة بعض النفوس فرصة لترتيب فوضاها واستعادة صفائها. وقد يصير الصمت لغة تأمل، تختزن خلفها حكايات مؤجلة، تبحث عن أذن تصغي بقلبها قبل أن تصغي بسمعها. فما أكثر الأفكار التي تزدهر في الداخل، ثم تنتظر لحظة مناسبة كي تجد طريقها إلى الكلام.
ومن المشاهد التي تستحق التأمل تحوّل الشخص الهادئ، وسط من يألفهم، إلى راوٍ لا تنضب حكاياته. تتدفق عباراته، وتتقافز ذكرياته، ويتنقل بين الموضوعات بشغف، ويضحك بعفوية طفل اكتشف مكانًا آمنًا للبوح. ينسى الوقت، وتتراجع صرامة الملامح، ويصبح الحديث متعة خالصة تتسع لكل ما تراكم في الذاكرة.
هنا تكشف الألفة عن أثرها العميق؛ فهي شعور بالقبول يخفف وطأة الحذر، ويجعل التعبير أكثر سلاسة. وقد تولد هذه الراحة من لقاء قصير يترك أثرًا طويلًا، بينما تعجز سنوات من المعرفة الشكلية عن بناء القرب نفسه. فالتواصل الحقيقي يحتاج إلى إصغاء يحترم الاختلاف، وحضور يتيح للآخر أن يكون على سجيته.
ولعل أجمل ما تكشفه تلك اللحظات بقاء الطفولة في أعماقنا رغم تقدم العمر. تمنحنا التجارب حكمة وحذرًا ومسؤوليات، وتبقى هناك قدرة على الدهشة والفرح بالتفاصيل الصغيرة. وقد تجتمع رصانة الفكر مع تلقائية الضحك، وتجاور قوة الشخصية حساسية مرهفة؛ فالإنسان يتسع لهذه الوجوه جميعًا.
ولا تنفصل هذه التحولات عن الأدوار التي نؤديها كل يوم. ففي العمل نتمسك غالبًا بالانضباط، وبين أفراد الأسرة نستعيد ألفاظًا وإيماءات يعرفونها وحدهم، ومع الأصدقاء نسمح للمرح أن يتقدم إلى الواجهة. تتبدل النبرة، ويبقى جوهر التجربة الإنسانية واحدًا: رغبتنا في أن نجد مكانًا نتخفف فيه من توقعات الآخرين، ونرى انعكاسنا في عيون تفهمنا، بعيدًا عن الحاجة المستمرة إلى إثبات ما نحن عليه.
لهذا تبدو الأحكام المتعجلة قاصرة عن فهم البشر. فقد نخطئ قراءة تحفظ شخص، أو نمنح جديته معنى لم يقصده، أو نغفل ما في صمته من عمق. وكل اقتراب واعٍ يحتاج إلى صبر، وإلى احترام الحدود التي يختارها أصحابها، وإلى إدراك أن معرفة الآخرين رحلة تتجدد مع المواقف. فالحقيقة الإنسانية تتكشف بالتدرج، وتظل قابلة للمفاجأة مهما طال التعارف.
وأجمل العلاقات ما يمنحنا حرية التعبير دون خوف من التأويل، ومساحة للصمت دون حرج. في رحابها تتراجع الأقنعة الاجتماعية، ويطلّ ذلك الجانب الخفي الذي احتفظ بصفائه رغم صخب السنوات.
ما لا تقوله الملامح قد ترويه لحظة ألفة صادقة؛ فقد يكشف الوقار عن قلب دافئ، ويخرج من عمق السكون طفل ما زال مأخوذًا بدهشة العالم. وربما كان سر النفس البشرية في قدرتها على الاحتفاظ بأجمل مفاجآتها لمن يحسن الاقتراب برفق.










































