اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ حزيران ٢٠٢٦
أ.د. فهد مطلق العتيبي
من أكثر المواقف التي مازالت عالقة في ذاكرتي منذ فترة ابتعاثي إلى بريطانيا تلك الصدمة الثقافية الأولى التي واجهتها عند وصولي، فقد كنت قادمًا من مجتمع ينظر إلى الكلاب بوصفها حيوانات للحراسة أو الصيد أو الرعي، ولذلك لم أكن مستعدًا لرؤية الكلاب وهي تتجول مع أصحابها في كل مكان تقريبًا كالحدائق، ووسائل النقل، والمتاجر، بل وحتى داخل المنازل باعتبارها جزءًا أصيلًا من الأسرة.
أتذكر أنني عندما زرت إحدى العائلات البريطانية المضيفة للمرة الأولى فوجئت بأن أول من استقبلني عند الباب هو الكلب، الذي كان يتحرك بحرية داخل المنزل، ويجلس بالقرب من مائدة الطعام، ويحظى باهتمام لا يقل عن اهتمام أفراد الأسرة أنفسهم، وقد كان الكلب هو السبب وراء رفضي السكن مع تلك العائلة.
لم يكن الأمر في بريطانيا مجرد اقتناء حيوان أليف، بل بدا وكأنه علاقة عاطفية عميقة بين الإنسان وحيوانه. ومع مرور الوقت بدأت ألاحظ أن تربية الكلاب في بريطانيا ليست مجرد هواية فردية، بل هي جزء من ثقافة اجتماعية واسعة. فالكلب بالنسبة لكثير من البريطانيين رفيق يومي، ووسيلة للتخفيف من الشعور بالوحدة، وعضو في الأسرة يستحق الرعاية الطبية والتأمين والطعام الخاص وحتى الاحتفال بأعياد الميلاد أحيانًا، كما أن المجتمع نفسه مهيأ لهذا النمط من الحياة؛ فهناك حدائق مخصصة للكلاب، ومتاجر متخصصة، وجمعيات للرفق بالحيوان، وقوانين صارمة تحمي حقوق الحيوانات وتضمن حسن معاملتها.
إن هذه الظاهرة التي تمتد إلى الكثير من الدول الغربية تعكس مجموعة من القيم الاجتماعية المرتبطة بالفردية والحياة المادية الحديثة. ففي المجتمعات الصناعية التي تقل فيها الروابط الأسرية الممتدة، وتزداد فيها معدلات العيش الفردي، يمكن للحيوان الأليف أن يؤدي دورًا اجتماعيًا وعاطفيًا مهمًا. ولهذا لا يمكن فهم مكانة الكلاب في بريطانيا باعتبارها مجرد مسألة شخصية، بل بوصفها جزءًا من منظومة ثقافية متكاملة. ولا أكتمكم سرا، قرائي الأعزاء، فإنني لم أنجح في التأقلم مع وجود الكلاب داخل المنازل والتعامل معها بوصفها أفرادًا من العائلة، ولكنني لم أنتقد ما رأيته، لقد علمتني هذه التجربة درسًا مهمًا في فهم الثقافات المختلفة، فما يبدو غريبًا أو غير مألوف لنا قد يكون أمرًا طبيعيًا تمامًا في سياق ثقافي آخر. وهنا تكمن أهمية السفر والاحتكاك بالشعوب؛ فهو قد يغير نظرتنا إلى الآخرين، وقد يجعلنا أحياناً نعيد التفكير في بعض المسلمات التي نشأنا عليها.
لقد كانت الكلاب بالنسبة لي في بريطانيا أكثر من مجرد حيوانات أليفة؛ كانت نافذة لفهم جانب مهم من الثقافة البريطانية وطريقة نظر المجتمع إلى العلاقات بين الإنسان والكائنات الأخرى. إن هذه الظاهرة تكشف لنا عن بنية المجتمع البريطاني وقيمه، فطريقة تعامل أي مجتمع مع الحيوانات الأليفة يمكن أن تكون مدخلًا لفهم تصوراته للأسرة والعاطفة والوحدة والرفاهية، وهي موضوعات تستحق الدراسة بقدر ما تستحقه القضايا السياسية والاقتصادية.










































