اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
في معرض تحليله وتفنيده لـ»قانون التأويل» (الذي عدّه قانوناً مستخلصاً من الفهم الإنسانيّ حسب رؤى وتصوّرات الإنسان، لا استناناً بقواعد التأويل المشروعة)؛ أظهر ابن تيمية طريقين للتأويل، هما: طريق أهل التبديل، وطريق أهل التجهيل. وتفصيل «أهل التبديل» على طريقين أيضاً: الأوّل «أهل الوهم والتخييل»، من ادّعوا أن ما أخبر به الأنبياء -عليهم السلام- ليس هو الظاهر؛ إذ الظاهر غير مطابق للأمر في نفسه، وإنما الظاهر تخيلات وتوهمات من الأنبياء -عليهم السلام- لدعوة الناس بما يناسبهم من فهم، لأن مصلحتهم لا تتم إلا بهذه الطريقة، ككلام المتفلسفة والباطنية والإسماعيلية وإخوان الصفاء وكثير من النظّار، أمّا طريق «أهل التحريف»، فيرون أنّ المعنى الذي أراده الأنبياء -عليهم السلام- هو الظاهر الموافق لحقيقة الأمر في نفسه، لكن لا يفهم عنهم إلا البعض بعقولهم فيؤولونه للناس، ككثير من المتكلمين كالمعتزلة وغيرهم. ونظرهم لما جاء به الأنبياء -عليهم السلام-: «القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة». أي إبانة الرسول صلى الله عليه وسلم للمعاني: إما أنه لم يبيّنهما كما هي في نفس الأمر، وإما أنّه بيّنها ولكن لا يفهم عنه إلا بعض المتكلمين. وهذا هو معنى «التأويل»: «صرف اللفظ عن معناه» أو «عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوع لدليل يقترن به»، وفق إشكالية «اللفظ الظاهر» بين أهل الوهم والتخييل وأهل التحريف.
وبيّن هنا أن «قانون التأويل» مبناه على علاقة الدال بالمدلول، علاقة اللفظ الظاهر بالمعنى، وهذه العلاقة في أصلها الفلسفي ثم الكلاميّ تتخذ من ثلاثية: المطابقة، التضمّن، الالتزام منزعاً للبرهنة على المعاني الإيمانيّة، وحتى محاولة فهم النصوص الشرعيّة -إن اتخذت ثلاثية الدلالة هذه لفهمها-، وما يتبعها من مسائل أخرى، كالتعريف، ومعايير الجمع والمنع فيه... وغير ذلك. وعند الذهاب أكثر إلى عمقها في المثبت معجمياً، وأولوية كلمات المعجم على سياقاتها؛ التي تكتسي معانيها منها وفي نظرية النظم، فستزداد هذه الإشكالية تعمقاً في مسائل اللغة والبيان، والتي على إثرها افترقت المذاهب الإسلامية أشد الافتراق -وإن كان هذا الخلاف قد أثمر وفتّق عقولاً اشتغلت بجدّ على اللغة العربيّة بالبحث والفحص والإبداع المدهش-، إلا أن الرد إلى المسألة الأولى، وهي: حرف المعنى الذي أراده الله سبحانه وتعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره، بأدوات في أصلها صناعة بشرية لم تكتسب المشروعية الشرعية في زمن النبوّة؛ الذي هو أصل اكتساب المشروعية.
وقد ظهرت بعد ذلك مدارس ومدارس، ولعل ما نلحظه في زمننا «طريقة التبديل الجديدة»، بصرف اللفظ عن ظاهره وفق صناعات لغوية متعددة -على ضعف بيّن في اللغة-، فيعاد تأويل الشريعة، والقرآن، والحديث، بل واللغة العربية نفسها وفق معهود العرب؛ بدعوى عريضة، ومؤثرات معاصرة، مع تأثيرات المدارس الاستشراقيّة؛ ليتسق النصّ الشرعي مع معطيات معاصرة، بطريقة تبديل لا مشروعية لها، ولعل أبرز ممثليها في زمننا «شحرور»، ومن تأثر به، وانتهج نهجه قليلاً أو كثيراً، جمعاً بين طريقتي أهل الوهم وأهل التحريف؛ فظهرت برامج معاصرة (بودكاست)؛ تعزز هذا المنهج التبديليّ، بزعم البحث العلميّ، والإبانة عن المعاني الشرعيّة. ومثل هذا التشويه العلميّ خيانة للعلم نفسه، وأسر أذن المستمع بما يدهشه ويلبي حاجاته، دون تبيين أصول «التأويل» بين المشروع وغير المشروع.
وحلّ هذه المشكلات ليس مجرد الردود التفصيلية، بل ترسيخ المناهج التي بها يفصل الإنسان بين ما هو مشروع وما ليس مشروعاً؛ لأن التدفق المعلوماتي لا يُدفع بتدفق التصحيحات وحسب، بل بوجود سدود تظهر المناهج الصادّة لكل ما يعكّر العلم ويفسده، وأن من زعم أنه عالم بمراد الله بطريقة لم تشرع، فهو أشبه بمن يدّعي علماً لدنياً ما أنزله الله عليه!










































