اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أذار ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
يرصد عبدالغني الراجحي ورود قصة آدم عليه السلام في كتاب الله بزهاء ثمانين آية، في سبع سورٍ (البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، ص). وقد اختلفت الأساليب البيانية لعرضها، كذا ما كُرر ذكره أو زيد أو حذف... والجامع بينها كلها يلخصه في ثلاث مراحلٍ: 1) ما قبل خلق آدم عليه السلام وإعلام الملائكة بذلك، ونفخ الروح، والتعليم، والأمر بالسجود، وامتناع إبليس؛ 2) ما دار من مقاولات بين الحق تبارك وتعالى والمطرود إبليس؛ 3) ما تعلق بسكن آدم عليه السلام في الجنّة، والأكل من الشجرة، والهبوط إلى الأرض. وفي كل هذه المواضع تتكرر حالة 'السجود' بين أمر وفعلٍ مُنجز، ولكن يختلف ما يرتبط بالسجود من أطوار تكوين آدم عليه السلام، فما قبل خلقه بنفخة الروح وصورة البدن؛ كانت صفته 'الخلافة'، ثم امتيازه بالعلم، ومع ذكر 'نفخ الروح' فمع ما سيكون من خلقه، أمّا بعد الخلق فلا تُذكر الروح. ويرتبط السجود أيضاً بخلق آدم، وتصويره، ومادته الطينية، إلا في الكهف وطه.
ومن العبر المستخلصة في مكوّنات آدم عليه السلام: سبق أفضلية الصفة الآدميّة (الخلافة) على الآية المصوّرة (الآدميّة)، وقد تلمّس الراجحي ما يثير مثل هذه العِبر؛ بلفتة ارتباط 'الجعل' (جاعل في الأرض خليفة) بصفة آدم المعنوية 'الخلافة' (الإنشاء التشريعيّ)؛ وهي صفة متنقلة في سورة البقرة عبر من يحمل العهد والميثاق الإلهي من: آدم عليه السلام، فالأنبياء عليهم السلام، فإبراهيم عليه السلام، فبني إسرائيل، حتى حمل نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته لهذه الصفة. أمّا لفظ 'الخلق' (الإنشاء التكوينيّ) فيرتبط بالإنسان في بشريّته، شاملاً كل الناس 'إني خالق بشراً'. فالخلافة عهد يدلّ على الخالق سبحانه عملياً ومعنوياً بسلوك الإنسان المكتسب، وأمّا التصوير مع النفخ فدلالة على الخالق تبارك وتعالى بظاهر البشرية ولو لم تقصد بأعمالها وجه الله. يقول الشيخ: 'ففي الجعل تصيير وتقلّب وتحويلُ مناسبةِ الخلافة المجعولة لآدم، تنتقلُ في ذريته إلى قوم آخرين، وفي الخَلْق محور إبداع وإيجاد مُناسبة بشريّة؛ التي هي أمر ذاتيّ ثابت، وقد ذُكر بجوار الخلافة ما هو من مناسبات الجعل دون الخَلق، وهو قوله 'في الأرض'...'.
ويُبنى على ذلك أنّ هذا العهد التشريعي متنقّل في أطوار البشريّة التكوينيّة، وحسب كل طور تظهر معالم إعادة توجيهه للطور التكويني الذي خرج فيه، فالإنسان متقلّب في أطوار تكوينية منذ خلقه الأول، فخلقه التابع في بطن أمه، فأطوار عُمره، فخلق الأجيال تلو الأجيال؛ ومتقلّب في أطوار تشريعيّة تعيد تجديد العهد مع كل نسيان تكوّن بالجهل أو المخالفة في كل هذه الأطوار التكوينيّة. ولعلّ من اللفتات التي لم يعمّق المؤلّف بعض أسرارها، عند التدبّر في الآيات: أنّ الأصل التكويني أو التشريعي الذي ذكر به آدم عليه السلام بوصفه دلالة على كل ذريّته، هو أصول تُقدّم حسب المقابل، فعند ذكر مادة التكوين 'الطين' يُذكر المقابل لهذه المادة وهو المخلوقات العظمى ومواد نشأة الكون، وعند تحديد صفة هذه المادّة الطينية بين 'حمأ مسنون' و'صلصل'، فيُذكر المقابل له وهو خلق 'الجِنّ' (الثقلان)، وعند ذكر الصفة (الخليفة) يقابل به الملائكة، كذا نفخ الروح.
وعند تثوير هذه الملاحظات يمكن للإنسان أن يرسم خارطة حياته، فبُعد مادّة التكوين متصل بتأمل حاله في هذا الكون، وضرب الأمثلة له، مثل: تشبيه حياته وعمره بحال تقلبات القمر 'والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم...'. وأمّا مادّة الجنّ الناريّة وتخصيص وصف الآدمي بـ'الحمأ' و'الصلصال'؛ فهذا طين لم يكوّن بالنار، بل لا تغيّر النار شكله، ولا يصل له منها إلا حرارتها مغيّرة لون ظاهره لا حقيقته. فصلة الإنسان بالجنّ صلة من يصلون إلى ظاهره لا باطنه إلا بالوسوسة، ووصول نارهم لتعمية الإنسان عن باطنه الحقيقي. أمّا عند ذكر صفة الإنسان أمام الملائكة، فهو تبيين لما به يتسامى ويترقى، بروحه، وما اختصت به من علمٍ ووظيفة خلافة.
فهذه منافذ تدبر بديعة، ليتعرّف الإنسان على مكوّناته (مادة، روح، بدن، وظيفة) مقابل الكائنات المشار إليها في مصاحبة هذه المكوّنات المذكورة. والله أعلم.










































