اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ١ نيسان ٢٠٢٦
النفط بين الحقيقة والوهم: قراءة في زمن القلق العالمي
الكابتن اسامة شقمان
لستُ خبيرًا اقتصاديًا في علوم الطاقة، ولا أدّعي الإحاطة بكل تعقيدات أسواق النفط والغاز، لكن تجربتي كطيار متقاعد علّمتني أن الوقود ليس مجرد سلعة، بل هو مسألة حياة وانضباط وتخطيط. في الطيران، لا يُقاس الوقود بالخوف، بل بالحساب. ولا تُدار الرحلات بالشائعات، بل بالمعادلات. ومن هنا، أكتب هذه السطور لا كخبير، بل كإنسان يرى في الضجيج العالمي حول الطاقة شيئًا يستحق التأمل.
إن العالم لا يعيش أزمة نفط بالمعنى البسيط الذي يُروَّج له، بل يعيش أزمة فهم. فالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه كان يقول إن 'الخوف يصنع حقائقه الخاصة”، وكأن هذا القول ينسحب اليوم على أسواق الطاقة. فليس كل ارتفاع في السعر دليلًا على نقص حقيقي، بل قد يكون انعكاسًا لتضخم الخوف ذاته.
في قلب هذا المشهد يقف مضيق هرمز، ذلك الشريان الضيق الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز المسال عالميًا . ومع اندلاع الحرب الأخيرة، تحوّل هذا المضيق من ممر جغرافي إلى أداة نفسية في السوق. فمجرد التهديد بإغلاقه كان كافيًا لرفع الأسعار بشكل حاد، حتى قبل أن يتأكد حجم الضرر الفعلي.
تشير التقارير الحديثة إلى أن أسعار النفط ارتفعت بنسب كبيرة وصلت إلى أكثر من 50–60% منذ بداية الحرب، مع توقعات قد تصل إلى 190 دولارًا للبرميل في أسوأ السيناريوهات . لكن في المقابل، نرى أن الأسعار نفسها تتراجع أحيانًا خلال ساعات لمجرد إشاعة عن قرب انتهاء الحرب . هنا تتجلى المفارقة: السوق لا يتحرك فقط بالبراميل، بل بالأفكار.
إن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن العالم لا يزال ينتج النفط بكميات ضخمة، وأن الأزمة ليست دائمًا في الندرة، بل في التدفق. فتعطل جزئي في الإمدادات قد يُفسَّر على أنه انهيار شامل، بينما هو في الواقع اختلال مؤقت في شبكة معقدة. وقد حذّرت مؤسسات مالية من أن إغلاق المضيق قد يؤدي إلى فقدان 13–14 مليون برميل يوميًا، وهو رقم كبير، لكنه ليس نهاية الإمدادات العالمية .
وهنا يظهر سؤال فلسفي: هل الأسعار تعكس الواقع، أم تعكس توقعات البشر؟
نيتشه كان يرى أن الإنسان لا يرى الأشياء كما هي، بل كما يخافها أو يرغبها. وهذا ينطبق على سوق النفط، حيث تتحول التوقعات إلى قوة اقتصادية حقيقية. فمجرد 'إمكانية” النقص ترفع السعر، حتى لو لم يحدث النقص فعليًا.
أما شركات النفط، فهي ليست مجرد ضحية لهذه التقلبات، بل جزء من بنيتها. فكلما ارتفع الخوف، ارتفعت الأرباح. إذ تعتمد هذه الشركات على نظام تسعير عالمي مرن، يتفاعل بسرعة مع الأخبار، لا مع الحقائق فقط. وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية: السوق يكافئ القلق.
لكن من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن الحرب لها أثر حقيقي، فالبنية التحتية تتضرر، وسلاسل الإمداد تحتاج وقتًا للتعافي، حتى لو توقفت المعارك . وهذا يعني أن جزءًا من ارتفاع الأسعار مبرر، لكن ليس كله. فبين الحقيقة والمبالغة مساحة واسعة، تملؤها السياسة والمضاربة.
إن الموعظة هنا ليست اقتصادية فقط، بل إنسانية:
العالم لا يعاني من نقص في الموارد بقدر ما يعاني من سوء إدارتها والخوف منها. النفط ليس المشكلة، بل طريقة النظر إليه. فحين يتحول إلى أداة ضغط، يصبح عبئًا، وحين يُدار بعقلانية، يصبح نعمة.
في النهاية، يمكن القول إن أزمة النفط الحالية ليست أزمة 'كمية”، بل أزمة 'وعي”. وبين الواقع والتضخيم، يقف الإنسان حائرًا، يراقب الأسعار ترتفع وتنخفض، دون أن يدرك أن السوق، في كثير من الأحيان، لا يحكمه النفط… بل يحكمه الخوف.












































