اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ تموز ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
في عالم تتسابق فيه الدول لإبهار العالم بمنشآت مؤقتة وأيقونات عمرانية باهظة التكلفة، قد لا تستخدم إلا لأيام معدودة في أحداث وفعاليات عابرة، جاء مونديال (2026) ليقدم درساً مغايراً في فلسفة الإدارة الحكومية والسياسات العامة الرشيدة؛ لقد شاهد العالم تواضع المرافق الرياضية الأمريكية التي استضافت الحدث، وهي منشآت لم تشيد من أجل المونديال، بل بنيت قبل عقود لخدمة المجتمع المحلي والجامعي، ومع ذلك استوعبت الملايين من الجماهير بكفاءة تشغيلية عالية؛ هذا التواضع في الشكل ليس نقصاً في الموارد والإمكانيات، بل هو انعكاس لقوة الدولة التي ترفض استنزاف مواردها في استعراض عابر، وتختار بدلاً من ذلك ترشيد الإنفاق العام عبر استثمارات هيكلية ضمن سياسات عامة طويلة الأمد، تهدف لخدمة الإنسان والمكان لعقود متصلة.
إن سر التفوق الأمريكي لا يكمن في ابتكار مشاريع ومبان صماء تتباهى بجمال واجهاتها، بل في ثقافة ما يمكن تسميته بالصيانة الدائمة والتطويع التشغيلي لما تملكه عند الحاجة؛ فالمنشآت هناك ليست كيانات منعزلة، بل هي جزء من نسيج حضري متصل بشبكات خدمية ومرافق عامة وبنية تحتية لوجستية مترابطة، وضعت لبناتها الأولى وفق رؤية تخطيطية بعيدة المدى، ولم ترتبط بحدث سياسي أو اقتصادي أو رياضي، بل تهدف إلى خلق بيئة تتيح وسائل العيش المستقر للإنسان وتسهم في سلاسة تنقله؛ هذه الرؤية التخطيطية تمنح الدولة مرونة استثنائية، فالبنية التحتية الجاهزة دائماً هي التي تمنح القرار السياسي حرية الحركة، وتجعل من تنظيم الفعاليات الكبرى واستضافة الأحداث الدولية أمراً روتينياً لا يستنزف الميزانيات أو يرهق الموارد الوطنية.
إن الدرس الحقيقي المستفاد من هذا المونديال يتجاوز حدود كرة القدم ليلمس جوهر بناء الدولة وما تملكه من مرافق ومشاريع نوعية ومستدامة، فالدولة 'العظيمة' هي التي تحول أصولها القائمة إلى أدوات قوة، بدلاً من السعي خلف التحديث الاستهلاكي. وفي هذا السياق، نجد أن رؤية المملكة (2030) الواعدة، بقيادة عرابها الملهم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تعيد صياغة هذا المفهوم في مسارنا الوطني؛ إذ لا تركز الرؤية على إنشاء أصول رياضية أو لوجستية كهدف نهائي، بل تضعها كجزء من منظومة استدامة تنموية واقتصادية تخدم المجتمع وتدعم جودة الحياة لعقود قادمة؛ إن النهج الذي يقوده سمو ولي العهد اليوم يرسخ لمبدأ الحوكمة في تنفيذ الأصول لاستدامتها، حيث تتحول المشاريع الكبرى إلى ركائز اقتصادية ذات جدوى تشغيلية مستمرة، مما يضمن أن ما يبنى اليوم من بنية تحتية طموحة، ليس مجرد انعكاس لحظي لحدث أو موسم، بل هو إرث تنموي مرن، وقادر على التكيف مع الاحتياجات الوطنية المتجددة، ومصمم ليكون رافداً للنمو في المستقبل.










































