اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
فهد الأحمري
كان التعرف على الأمي قديما أمرا سهلا؛ شخص لا يقرأ، ولا يكتب. اليوم لم تعد المسألة بهذه البساطة.. فقد يحمل الإنسان أحدث هاتف، ويقرأ منذ أن يستيقظ حتى ينام، ويكتب في يوم واحد أكثر مما كان يكتبه أجداده في شهر، ومع ذلك قد يقع في نوع آخر من الأمية؛ أن يقرأ الكلمات، ولا يحسن قراءة حقيقتها.
اليوم الثامن من سبتمبر يحتفل العالم بالذكرى الستين لليوم الدولي لمحو الأمية.. وبعد ستة عقود من الجهود، ما يزال 739 مليون إنسان يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية -بحسب اليونسكو-.
رقم يستحق أن نتوقف عنده، لكنه يفتح بابا لسؤال آخر: ماذا عن الذين تعلموا القراءة والكتابة، ثم وجدوا أنفسهم أمام عالم يحتاج إلى مهارات أبعد منهما؟
نحن نعيش زمنا لم تكن فيه المعلومة أقرب إلينا من الآن، وربما لم يكن خداعنا بها أسهل أيضا!
يكفي أن نتأمل ما يمر أمامنا كل يوم: صورة لمشهد مفبرك، مقطعا مبتورا، عنوانا يسبق الحقيقة، ومعلومة يكررها الآلاف حتى تبدو، من كثرة تكرارها، حقيقة!
ثم جاء الذكاء الاصطناعي، فأصبحت الآلة تقرأ وتكتب وتجيب، وأصبح السؤال الذي يستحق التفكير: إذا كانت الآلة تستطيع أن تعطينا الإجابة، فماذا بقي علينا نحن؟ فالمشكلة لم تعد في ندرة المعرفة، بل في فيضها.
كان الإنسان قديما يبحث طويلا عن المعلومة، أما اليوم، فالمعلومة هي التي تبحث عنه؛ تظهر في هاتفه، وتقترح نفسها عليه، وتلاحقه من منصة إلى أخرى.. وهنا تصبح القدرة على الاختيار والتمييز مهارة لا تقل أهمية عن القدرة على القراءة نفسها.
أظن أن الإجابة تبدأ من السؤال نفسه، أن نعرف ماذا نسأل، ولماذا نشك، وأين نتحقق، ومتى نتوقف قبل أن نضغط زر «إعادة الإرسال»؟
لقد نجح الهاتف في وضع مكتبة كاملة داخل جيوبنا، لكنه لم يضع معها أمين مكتبة يخبرنا ما الذي يستحق أن نصدقه!.. ولهذا ربما تكون معركة الأمية القادمة مختلفة؛ ليست فقط أن نعلّم الإنسان كيف يقرأ الكلمة، بل أن نمنحه القدرة على قراءة العالم.
أخطر الأمية ليست ألا تقرأ؛ بل أن تقرأ كل شيء.. وتصدق أي شيء!










































