اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
ابتسام فهد الحيان
مع تنامي النقد والوعي، وتوسع المدارك الفكرية لأفراد المجتمع، أصبح لمن يستظلون بمظلة المجد الاجتماعي «المشاهير» زمهريراً لا يمل ولا يكل من التهام ما يطرح أمامه من سلوكيات قولية أو فعلية من قبل من يتراءون نمو هذا المجد «المتابعين»، خاصة وقد أصبحت الكاميرا في الأجهزة الإلكترونية هي النافذة التي يستطيع أن يوصل المشهور صوته إلى العالم أجمع ضمن الضوابط التي أقرتها الهيئة العامة لتنظيم الإعلام لنشر أي محتوى، مكللة باحترام قوانين الشريعة الإسلامية والذوق العام واحترام الخصوصية للأسرة السعودية، فالجميع بمأمن ما لم يخالف تلك الضوابط التي تصب في صالح النسق الأسري، فتكن أولى بدايات ذلك المشهور كما أضاء شمعة وسط الظلام وبدأ يسير بها وبمقدار الوعي وصناعة المحتوى اللائق بذائقة المتابع، والذي بدوره يساهم في تنوير الأجيال وغرس الكفاح والإرادة ليكونوا سواعد الوطن وأعمدته، لا جيلاً منمقاً بالرفاهية والرتابة والكسل، والأمثلة تتنوع بتألق الكثير من المؤثرين الذين صنعوا بصمة استثنائية تظل خالدة لعقود من الزمن، ولعلنا ننوه بعدما امتلأت الساحة الإعلامية بالمشاهير بالفرق الشاسع بين المؤثر والمشهور، فالأول يسعى لغرس بذور تنمية فكرية مستدامة، أما الثاني يبحث عن شأن يطرب له السامع الطروب ويرى نفسه كالرائي المسرور، ولأن الحاجة إلى التقدير من الحاجات الإنسانية المدرجة ضمن هرم العالم إبراهام ماسلو «1943»، والرغبة الدائمة بالقيمة الذاتية في كسب احترام الناس وتحقيق مكانه اجتماعية حُفَّتْ بالتميز، كان دأب الفرد المستمر لتحقيق هذه الحاجة على مر العصور، فيسعى الإنسان مستثمراً بذاته عبر عدة مسارات حتى يرى نفسه متكئاً على عرش التفرد، فالشهرة بذاتها ليست مجداً ما لم تكن دافعاً لصناعة الأثر الخالد وإلاَّ ستظل صوتاً خارجياً لا قيمة داخلية، فحين يستعرض المشهور أسلوب حياته والنمطيات الممارس لها أمام ملايين المتابعين من مختلف بقاع العالم، فكأنه اقتلع باب منزل معمور، وهدم سوراً محفوظاً، وسمح للعيون بالدخول وكشف المستور، وبالطبع لم ولن يتفقوا على رأي واحد بمختلف الشخصيات بين معجب وساخط، وبلمح البرق تتسارع الأصابع إلى العزف الجنوني على لوحة المفاتيح الصغيرة للتعبير عن الرأي وإشعال جحيم النقد، الذي يسبّب أضراراً نفسية جسيمة، فتكون تلك الكلمات مثل السهم المسموم، يصيب ثقة الفرد فيخترقها، ونحن المسلمين نعلم جميعاً عظم الكلمة الطيبة، ويتجلى ذلك حينما قدم عكرمة بن أبي جهل قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يأتيكُم عِكرمةُ بنُ أبي جهلٍ مؤمنًا مهاجِرًا، فلا تسبُّوا أباهُ»، منهج نبوي في التربية المحمدية واحترام الذات وعدم خدش الثقة بالنفس، لأن الانتكاسة مرعبة وستعود بالإنسان للخلف إلى دياجير الانعزال ونقص الاستمتاع بالحياة، فيعيش بين كفتي التردد وضياع الفرص، «بالمناسبة كل يوم جديد هو فرصة أخرى للإنسان»، خلقنا كالبنيان يشد بعضنا بعضاً، فلماذا يعمد البعض إلى الانتقاص والتجريح فيما لو أدرنا البوصلة تجاه أنفسنا لاشتعلنا ضجراً كما تنتشر النار في الهشيم، أخي المشهور أنت مستأمن أمام الله ثم وطنك عما يبث ويقال، ونأمل أن تسعوا في تقديم أثمن المعاني النبيلة وأكرم جواهر القيم الإنسانية من خلال ظهوركم في منصات التواصل الاجتماعي، فالحياة ليست كرنفالاً من الرخاء والثروات المنهمرة في السيارات الفارهة والحفلات المفتعلة لرسم صورة وهمية مجتمعية، وتعري من الخصوصية الشخصية لتسويق نمط حياة زائفة مرصعة بالمثالية، أمام عقول أطفال ومراهقين ومن هم على أولى خطوات الكفاح، ناهيك عن كسر النفس وإدراج الإحباط، وهذا مخالف للحياة الواقعية والمتابع اليوم ذو وعي عالٍ، ويدرك حقيقة ما يطرح بين الواقع والخيال، في حين أن الترخيص الممنوح من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، ليس امتيازاً يمكنك من تقديم الغث والمحتوى المبتذل، بل تمكين مشروط للظهور الاجتماعي الإلكتروني بمستوى مشرف، أمام هذا الطوفان في سوق الإعلام الجديد، ونحن بحاجة إلى مؤثرين ينضمون لأولي الفضيلة والمبادئ القيمة والعلم النافع، لا استدرار المشاعر وملاعبة العواطف لأغراض التكسب، فهناك واجب من المسؤولية الوطنية والأخلاقية على عاتق المشاهير، تجاه ما يجدونه من توسع وترحيب جماهيري لهم، فالكلمة أمانة، والموقف رسالة.










































