اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
ما تكشفه الوقائع -في تقديري- أن الاتصال وقت الحرب يصبح أداءً مؤسسيًا متكاملًا: قيادة تحدد الاتجاه، ودفاع يدير الشراكات، ودبلوماسية توسع دائرة التواصل، واقتصاد يواصل العمل، وأجهزة ميدانية تخاطب الناس بلغتهم اليومية.. وتنشأ الثقة حين تتسق هذه المسارات وتُظهر الوقائع ما يسند الرسائل..
في أيام متقاربة من أكتوبر، كانت الهواتف في المملكة تتلقى تنبيهات الدفاع المدني، فيما تستقبل الرياض وزراء وخبراء من أنحاء العالم في مؤتمر البترول العالمي. وفي العواصم القريبة والبعيدة، تدور اتصالات سياسية ودفاعية تتصل بالتصعيد الحوثي. تبدو هذه مشاهد متباعدة عند متابعة الأخبار، لكنها تفتح سؤالًا مهمًا في الاتصال الإستراتيجي: كيف تطمئن الدولة مجتمعها حين تتحرك مؤسساتها جميعًا في وقت واحد؟
أميل إلى قراءة المشهد السعودي من زاوية تتجاوز البيانات العسكرية والتحذيرات الأمنية. فهناك رسائل تصدر من موقع القيادة، وأخرى من طاولة الدفاع، وثالثة من الدبلوماسية، ورسالة اقتصادية من منصة الطاقة. ويتلقى المواطن هذا كله وهو يحاول فهم مدى الخطر، وما يجري لمواجهته، وما إذا كانت حياته وأعماله ستواصل سيرها.
يبدأ المعنى من مستوى القيادة.. ففي الثالث عشر من أكتوبر، ترأس سمو ولي الأمير محمد بن سلمان جلسة مجلس الوزراء التي ثمّنت دور القوات المسلحة في حماية الوطن والمواطنين والمقيمين، وجمعت بين الدفاع عن السيادة ومواصلة التنمية والسعي إلى الاستقرار.. وبعد أسبوع، رأس خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان جلسة تناولت الموقف الدولي من الهجمات وأمن الطاقة والملاحة.. والرسالة التي أقرأها هنا أن إدارة الأزمة حاضرة في أعلى مستويات القرار، وأن القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية تُناقش ضمن مشهد واحد.
وفي وزارة الدفاع، تكشف تحركات الأمير خالد بن سلمان عن مشهد اتصالي يتجاوز حدود الاجتماعات الرسمية. فمن ماليزيا والمغرب إلى بلغاريا وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وبولندا، توالت اتصالاته بنظرائه لبحث التعاون الدفاعي ومستجدات المنطقة.. وفي الرياض، التقى قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، واستقبل نائب رئيس الإمارات الشيخ منصور بن زايد، واجتمع بوزير الدفاع اليوناني، ثم حملته زيارة بتوجيه من القيادة إلى أبوظبي للقاء الشيخ محمد بن زايد.. وبين هذه التحركات، شهدت الرياض اجتماعًا طارئًا لحلف مكة الدفاعي بمشاركة تركيا وباكستان. ويكشف هذا التتابع عن رسالة اتصالية جديرة بالقراءة؛ فإعلان التحركات الدفاعية والسياسية يضع أمام المجتمع والعالم صورة شبكة واسعة من المشاورات والشراكات، تتحرك فيها المملكة عبر مسارات متعددة لمواجهة التحديات وتعزيز أمن المنطقة.
أما وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، فتحركاته تكشف الوظيفة الاتصالية للدبلوماسية.. فمن لقاءاته الدولية إلى اتصالاته مع نظيريه في الإمارات وتركيا، واستقباله وزير الخارجية الفرنسي في التاسع عشر من أكتوبر، حضرت الهجمات على المملكة ضمن نقاش أوسع عن الأمن الإقليمي وخفض التصعيد وسلامة الملاحة.. الدبلوماسية هنا تخاطب الخارج بلغة المصالح المشتركة، ويقرأ الداخل من خلالها اتساع دوائر التشاور والتضامن.
لكن المشهد الأكثر إثارة للتأمل جاء من منصة الطاقة.. في افتتاح مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين بالرياض، قال الأمير عبدالعزيز بن سلمان: 'كلمة الخوف في القاموس السعودي ليس لها وجود'. وربط رسالته باستمرار الاستثمارات والالتزامات الدولية والاستعداد المسبق للأزمات. والأهم أن المؤتمر اختُتم بمشاركة ممثلين من 135 دولة وأكثر من 33 ألف زائر، وفق وكالة الأنباء السعودية. حضور هذا العدد خلال فترة التوتر يحمل دلالة عملية تختلف عن نبرة الخطاب؛ فاستمرار اللقاءات الدولية نفسه يتحول إلى رسالة عن قدرة المؤسسات على العمل.
وللرسالة الاقتصادية جمهور يتجاوز المواطن.. فالمستثمر وشريك الطاقة يطرحان أسئلة عن استدامة الإمدادات وحركة الأعمال. ولهذا تكتسب القرارات التشغيلية واستمرار المؤتمرات الدولية أهمية في تشكيل الثقة. وربما تكون القدرة على مواصلة جدول الأعمال الوطني، مع تقديم سلامة الإنسان، من أبلغ الرسائل التي تتلقاها الأسواق والمجتمعات أثناء الأزمات.
هنا يستعيد المتحدث باسم التحالف والدفاع المدني موقعهما الطبيعي داخل الصورة.. الأول يقدم المعلومات العسكرية وحجم التهديدات، والثاني يحولها إلى تعليمات حماية مباشرة، فيما يشرح الطيران المدني أوضاع الرحلات والمرافق.. ومع كل إنذار أو إعلان زوال خطر، تصبح سرعة المعلومة ووضوحها معيارًا حاسمًا؛ فالطمأنينة التي يصنعها الخطاب تحتاج إلى تجربة يومية تطابقه.
وتبقى حماية المدنيين في اليمن واحترام القانون الدولي الإنساني جزءًا من مسؤولية الاتصال أمام العالم، إلى جانب الجهود السياسية الرامية إلى إنهاء التصعيد.. فالمصداقية الدولية تنمو حين تقترن الرسائل بالمعلومات الموثقة والاعتبارات الإنسانية.
ما تكشفه هذه الوقائع -في تقديري- أن الاتصال وقت الحرب يصبح أداءً مؤسسيًا متكاملًا: قيادة تحدد الاتجاه، ودفاع يدير الشراكات، ودبلوماسية توسع دائرة التواصل، واقتصاد يواصل العمل، وأجهزة ميدانية تخاطب الناس بلغتهم اليومية.. وتنشأ الثقة حين تتسق هذه المسارات وتُظهر الوقائع ما يسند الرسائل.
قد تنتهي مهمة الاعتراض في السماء، وتبقى مهمة الدولة على الأرض: أن يعرف الإنسان أنه حاضر في حسابات القرار، وأن الحياة تستحق أن تظل مستمرة، بأكبر قدر ممكن من الأمان في وطن الأمن والأمان.










































