اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
جدة - لينا الساعد
تستقبل جدة التاريخية موسم الشتاء بمشهد ثقافي يجمع بين العمارة التراثية والمتاحف والأسواق التقليدية والحرف اليدوية، مستفيدة من أجوائها المعتدلة التي تتيح للزوار التجول بين معالمها واستكشاف تاريخها الممتد عبر قرون. وتبرز المنطقة ضمن الوجهات التي يسلط عليها برنامج «شتاء السعودية على ما تحب» الضوء، بما تحتضنه من مواقع تاريخية وتجارب ثقافية تعكس مكانة جدة بوابةً للحرمين الشريفين، ومركزًا للتجارة والتواصل بين الشعوب والحضارات.
وتحتفظ جدة التاريخية، المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بملامح معمارية مميزة تظهر في مبانيها القديمة ورواشينها الخشبية وأزقتها الضيقة وساحاتها التي ارتبطت بالحياة الاجتماعية والتجارية لسكان المدينة. وتمثل هذه العناصر شواهد على تطور العمارة الحجازية، وأساليب البناء التي راعت طبيعة المناخ واحتياجات السكان، وأسهمت في تشكيل هوية عمرانية لا تزال حاضرة في أحياء المنطقة.
وتتوزع المعالم التاريخية بين الممرات والساحات القديمة، وفي مقدمتها بيت نصيف وبيت الشربتلي وباب مكة، إلى جانب المساجد التاريخية التي ارتبطت بالحياة الدينية والاجتماعية. وتكشف هذه المواقع عن جوانب من تاريخ جدة وعلاقاتها التجارية والثقافية، فيما تبرز الرواشين الخشبية باعتبارها أحد أهم العناصر الجمالية في المباني التقليدية، لما تتميز به من زخارف دقيقة وتصاميم جمعت بين الخصوصية والتهوية والإضاءة الطبيعية.
وتحظى المتاحف بحضور بارز ضمن المشهد الثقافي للمنطقة، إذ يقدم متحف البحر الأحمر، الذي يحتضنه مبنى باب البنط التاريخي، محتوى يتناول تاريخ البحر الأحمر ودوره في حركة الملاحة والتجارة والتبادل الثقافي عبر العصور. ويتيح المتحف التعرف على العلاقة التي جمعت المجتمعات الساحلية بالبحر، وما نشأ عنها من أنشطة اقتصادية وتقاليد اجتماعية وتأثيرات ثقافية امتدت إلى مناطق متعددة. وفي جانب آخر من الذاكرة الثقافية، يبرز متحف طارق عبدالحكيم الذي يعنى بالتعريف بالتراث الموسيقي السعودي، ويستعرض محطات من تطور الموسيقى والفنون الأدائية، بما يرتبط بها من آلات موسيقية وتسجيلات ووثائق ومقتنيات. ويضيف المتحف بعدًا فنيًا إلى زيارة جدة التاريخية، من خلال التعريف بأحد أبرز مجالات الإبداع السعودي، وإبراز دور الموسيقى في التعبير عن التنوع الثقافي والاجتماعي في المملكة.
وتواصل الأسواق التقليدية حضورها ضمن الحياة اليومية في المنطقة، وفي مقدمتها أسواق العلوي والندى وقابل وباب مكة، التي ارتبطت بتاريخ جدة التجاري وموقعها على طرق الحج والتجارة. وتضم هذه الأسواق محال تعرض منتجات متنوعة، تشمل الأقمشة والعطور والبخور والمشغولات التقليدية، إلى جانب السلع التي احتفظت بمكانتها في الذاكرة الشعبية، لتشكل امتدادًا لأنشطة تجارية عرفتها المدينة على مدى أجيال.
ولا تقتصر أهمية الأسواق على حركة البيع والشراء، بل تتصل بدورها الاجتماعي والثقافي، إذ كانت ملتقى للتجار والأهالي والقادمين إلى جدة من مناطق مختلفة، وأسهمت في انتقال العادات والمنتجات وأساليب الحياة. كما تحتفظ المأكولات الشعبية بحضورها في هذه الأحياء، لتضيف جانبًا من الموروث الغذائي إلى التجربة الثقافية، وتعكس تنوع التأثيرات التي عرفتها المدينة بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها التجاري.
وتضيف الحرف اليدوية جانبًا تفاعليًا إلى المشهد الثقافي في جدة التاريخية، من خلال المساحات التي تستعرض أساليب الصناعات التقليدية ومهارات الحرفيين، ومن بينها «زاوية 97» التي تحتضن تجارب حرفية ومعارض وأنشطة ثقافية. وتتيح هذه المساحات الاطلاع على مراحل صناعة المنتجات اليدوية، والتعرف على الخامات والأدوات المستخدمة فيها، وما تتطلبه من دقة ومهارة وخبرة تراكمت عبر الأجيال.
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية خاصة في التعريف بالتراث الحرفي والمحافظة على المعارف المرتبطة به، إلى جانب إبراز الجوانب الفنية في الصناعات التقليدية، سواء في الزخرفة أو التشكيل أو اختيار المواد والألوان. كما تسهم في تقريب الحرف القديمة من الأجيال الجديدة، وإظهار إمكانات الاستفادة منها في المنتجات المعاصرة والمشروعات الإبداعية.
وتتكامل هذه العناصر مع أعمال إحياء جدة التاريخية والمحافظة على مبانيها وهويتها العمرانية، ضمن الجهود التي تقودها وزارة الثقافة لحماية التراث الثقافي وتعزيز حضوره. ويأتي إدراج المنطقة ضمن الوجهات التي يبرزها برنامج «شتاء السعودية على ما تحب» امتدادًا للاهتمام بتقديم تجارب سياحية ترتبط بتاريخ المكان ومكوناته الثقافية والفنية.
وتقدم جدة التاريخية خلال الشتاء تجربة تتجاوز زيارة المباني والمعالم القديمة، إذ تتجاور فيها المتاحف مع الأسواق والحرف التقليدية، وتلتقي الفنون بالموروث العمراني في مساحة تحتفظ بشواهد من تاريخ المدينة. ومن خلال هذه المكونات، تواصل المنطقة التعريف بإرثها الثقافي، وإبراز ما تتميز به من تنوع تاريخي وفني، مع استمرار حضورها وجهةً للزوار والمهتمين بالتراث من داخل المملكة وخارجها.










































