اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ تموز ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
المعيار المهني للاتصال يبدأ من الثقة، وجودة السمعة، وفهم الجمهور، وحضوره في صناعة القرار، أما كثافة النشر في المنصات والأخبار، فقد تصنع حضورًا يوميًا لافتًا، لكنها لا تكفي عندما تواجه المؤسسة أول اختبار أو أزمة حقيقية، وعندها تصبح إدارة الاتصال عبئًا حين تنشغل بإظهار المؤسسة أكثر تعزيز سمعتها المؤسسية وصورتها الذهنية..
في كل أزمة مؤسسية، يتجه السؤال سريعًا إلى إدارة الاتصال المؤسسي.. أين كانت؟ والسؤال الأكثر عدلًا يسبق ذلك بكثير.. هل كانت هذه الإدارة حاضرة أصلًا عندما اتُخذ القرار نفسه؟
توسعت إدارات الاتصال المؤسسي خلال السنوات الماضية، وكبرت إداراتها وأقسامها، وتنوعت منصاتها، وارتفعت ميزانياتها، فأصبح لدى المؤسسة مصورون، ومحررون، ومصممو محتوى، ومديرو حسابات، وتقارير يومية تزدحم بالأرقام بشكل ديناميكي، ومع ذلك قد تبقى سمعة المؤسسة هشّة، وقد تُفاجئها أزمة كان يمكن قراءتها قبل وقوعها!
المشكلة تبدأ عند اختزال الاتصال في المشهد الإعلامي، بين خبر عن اجتماع، وصور للتوقيع، وتغطية للفعالية، وتقارير 'استقبل وودّع'، ثم تقرير يعقبه، يصف النجاح بعدد المنشورات والتفاعل والمشاهدات، وهنا تحديدًا تحولت الإدارة إلى غرفة إنتاج ونشر فقط.
وفي المنعطف نفسه، قد يغيب السؤال الأهم لكل قرار أو فعالية أو حملة إعلامية.. ماذا سيقول الناس عنه؟ وكيف سيفهمه الموظفون والمستفيدون والشركاء؟ وما المسافة بين ما تراه الإدارة العليا وما يشعر به الجمهور؟
الاتصال الناضج يدخل إلى القرار قبل إعلانه، وبدعم كامل من القيادات العليا الأكثر وعيًا بأهمية الاتصال المؤسسي، فكثيرون يظنون أن عمل إدارة الاتصال يبدأ عند نشر الخبر، بينما يبدأ عملها الحقيقي قبل ذلك بوقت طويل، هناك، داخل غرف النقاش، وقبل أن يخرج القرار إلى الناس، يكون دورها في طرح الأسئلة الصعبة، وقراءة ما قد يترتب على القرار، ونقل ما يدور في المجتمع إلى صانع القرار، وإذا نجحت في هذه المهمة، فقد لا يلاحظ أحد ما فعلته، لأن أفضل إنجازات الاتصال هي تلك التي تمنع الأزمة من الظهور أصلًا.
عندما تحطمت طائرتا Boeing 737 MAX في إندونيسيا عام 2018، ثم في إثيوبيا عام 2019، الأزمة توقفت عند حدود الخلل التقني الذي أودى بحياة 346 شخصًا، وامتدت الأسئلة مباشرة إلى ثقافة الشركة، وآليات اتخاذ القرار، وتدفق المعلومات داخلها، وطريقة تعاملها مع الجهات التنظيمية والعملاء والجمهور. وبعد الحادثتين، أعادت بوينغ هيكلة منظومة السلامة، وأنشأت منصبًا مستقلًا لقيادة سلامة الطيران، ووسعت قنوات الإبلاغ الداخلي، وعزّزت الشفافية والمساءلة في خطابها المؤسسي، وعندها فقط اتضح أن السمعة كانت انعكاسًا لطريقة إدارة المؤسسة وقراراتها، ثم تلتها البيانات الصحفية لاحقًا.
في السعودية، تقدم رؤية المملكة 2030 أنموذجًا مختلفًا لحضور الاتصال داخل مشروع التحول، فالتقارير السنوية، وإعلان المؤشرات، والحديث المستمر عن المستهدفات والمنجزات، صنعت لغة عامة يفهم من خلالها المجتمع مسار التحول الوطني، وهنا يتضح تجاوز الاتصال مهمة التغطية، ودخل في تشكيل المعنى العام للمشروع، وربط الأرقام بحياة الناس وتطلعاتهم.
ويقدم مركز التواصل الحكومي في وزارة الإعلام تجربة تستحق التأمل. فمنذ تأسيسه، اتسعت المساحة المشتركة بين إدارات الاتصال الحكومية، واجتمع مسؤولو الاتصال والمتحدثون الرسميون حول ممارسات ومعايير تكاملية، وتقدمت برامج بناء القدرات بوتيرة واضحة. وجاء البرنامج الإعلامي الموحد (GRID) ليضيف بعدًا آخر؛ إذ أصبحت الخطط والرسائل تُناقش بصورة مشتركة، وتنسق الجهات أعمالها قبل انطلاقها، ويغدو الاتصال جزءًا من عمل حكومي متكامل.
ومما سبق كله، في اعتقادي المعيار المهني يبدأ من الثقة، وجودة السمعة، وفهم الجمهور، وحضور الاتصال في صناعة القرار، أما كثافة النشر، فقد تصنع حضورًا يوميًا لافتًا، ثم تترك المؤسسة وحيدة عند أول اختبار أو أزمة حقيقية، وعندها تصبح إدارة الاتصال عبئًا حين تنشغل بإظهار المؤسسة أكثر من مساعدتها على رؤية نفسها، وتعزيز سمعتها المؤسسية وصورتها الذهنية.
وفي الختام، يبقى لدي سؤال أراه أكثر صدقًا من كثير من مؤشرات الأداء، وأرى أنه ينبغي أن يكون حاضرًا على طاولة كل مدير إدارة اتصال مؤسسي.. لو توقفت جميع الحسابات الإعلامية للمؤسسة شهرًا كاملًا، هل ستظل سمعتها كما هي؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهذا يعني أن الثقة راسخة في أداء المؤسسة وثقافتها وعلاقتها بأصحاب المصلحة. وإن كانت لا، فهناك اعتماد أكبر على الحضور الإعلامي من الاعتماد على جودة الأداء المؤسسي. عندها تصبح إدارة الاتصال مطالبة بصناعة الثقة أولًا، وتترك عنها الاهتمام بإدارة المشهد الإعلامي فقط.










































