اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
العطاء في هذه الحياة نوعان، وأحيانا يكونان متضادين تماما في شكلهما، وفي المعنى الذي يحمله كل منهما
ولا أقصد هنا العطاء المادي الملموس، لا المال ولا العقار ولا أي شيء يمكن أن تضع له ثمنا أو قيمة
إنما أتحدث عن عطاء آخر، عطاء يكشف حقيقة الإنسان حين يبتلى من يحب، وحين يصبح الحب امتحانا حقيقيا لا مجرد كلمة تقال
أضرب مثالا، ويمكن أن نقيس عليه الكثير من تفاصيل حياتنا
أب يمرض له ابن، وتكون حالته خطرة، ويدخل في غيبوبة طويلة تمتد لأكثر من شهر، ويصبح المريض في العناية الحثيثة، بين الحياة والموت
قلب الأب يكون معلقا بابنه، منفطرا عليه، يراقب أنفاسه، وينتظر أي حركة أو إشارة تبشره بأن ابنه ما زال متمسكا بالحياة، ولسانه لا يفتر عن الدعاء والرجاء، أن يمن الله على ولده بالشفاء، وأن ينجيه مما أصابه
تراه يرافقه في غرفة إقامته، ويبذل قصارى جهده ليوفق بين عمله الذي ربما يفقده بسبب غيابه الطويل، وبين وجوده إلى جانب ابنه، وبين محاولة تخفيف وطأة المصاب عن باقي أهله، ومجاملة زائريه من أقاربه ومحبيه
لا يشكو، ولا يمل، ولا يرى في بقاء ابنه إلى جانبه عبئا، لأن الإنسان حين يحب بصدق، يصبح التعب من أجل من يحب جزءا من الحب نفسه
إلى هنا يبدو المشهد طبيعيا، بين أب وابن، أو أخ وأخيه، أو بين أي اثنين تجمعهما درجة من درجات القربى في مجتمعنا العربي
لكن هناك صورة أخرى مغايرة تماما
صورة تظهر حين يطول المرض، وحين تصبح الأيام ثقيلة، وحين يتحول الانتظار إلى عبء، والمرافقة إلى واجب يتمنى البعض لو ينتهي
عندما يدخل أحد الوالدين أو الإخوة أو أحد الأقارب في غيبوبة طويلة، يصبح الأبناء أو الإخوة أمام مسؤولية ملازمته في مرضه، ومع طول المدة يبدأ السأم، ويظهر التذمر، ويأتي الخوف من فقدان العمل، أو تتعطل الدراسة، أو تتأثر المصالح، وتبدأ مشاغل الدنيا التي لا تنتهي أبدا في احتلال مكان المريض في قلوب من حوله
ثم يأتي السؤال عن حاله
كيف حال والدكم
كيف حال أخيكم
كيف حال قريبكم المريض
فيأتي الجواب بعد وصف حاله
الله يختار له الأفضل
كلمة تبدو في ظاهرها دعاء، وتحمل في معناها الظاهر الرضا بقضاء الله، والرجاء بأن يختار الله للمريض ما فيه الخير والرحمة
لكن أحيانا يكون معناها الحقيقي شيئا آخر
يكون معناها أنهم يتمنون أن تنتهي معاناته بالموت، وأن ينتهي معها هذا العبء الطويل الذي أثقل حياتهم، ثم يلبسون هذه الأمنية ثوب الدعاء، ويقولون إنهم يريدون له الرحمة والخلاص من الألم والمرض
وهنا أتساءل
أي عطاء هذا الذي لا يصمد أمام طول المرض
وأي حب هو الذي يكون جميلا ما دام المحبوب بخير، ثم يصبح ثقيلا عندما يحتاج إلى الصبر والرعاية والوقت
ليس المطلوب من الإنسان أن ينكر تعبه، ولا أن يدعي القوة طوال الوقت، فالمرض طويل، والمرافقة مرهقة، والحياة لها مسؤولياتها، لكن الفرق كبير بين أن تتعب من أجل من تحب، وبين أن يصبح موته هو الحل الذي تتمناه لأن وجوده أصبح عبئا عليك
فالمريض الذي لا يستطيع أن يتحدث، قد يسمع
والذي لا يستطيع أن يتحرك، قد يشعر
والذي لا يستطيع أن يطلب شيئا، قد يحتاج إلى قلب لا يمل من وجوده
لذلك، لمن يقولون عن أحبائهم المرضى
أقول لكم، وبنفس ذات المعنى الذي تقصدونه
الله يختار لكم الأفضل












































