اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لم تكن المرأة تتحدّث عن أثاثها وحده، حين قالت: “عندي ابنتي بدها تتزوّج”. كانت تحاول أن تخرج من بين الركام موعداً، أن تدل على فرحٍ تركته في البيت قبل أن تهجَّر منه، ثم عادت تبحث عنه. أحد عشر يوماً تفصل يدها عن أشيائها. أحد عشر يوماً يستطيع خلالها الغبار أن يستقرّ على كلّ شيء، فيما تظل الأم تتذكر بدقة أين وضعت حاجات ابنتها، وكيف كان البيت حين أغلقته آخر مرة.
في الخليل، تعود أم العروس إلى منزل تعرف طريقه، وتتعثر بما لم يكن في الطريق. الممر الذي يصل إلى الباب تملؤه الحجارة والقطع المعدنية. عليها أن تنتبه إلى موضع قدمها قبل أن ترفع رأسها، وأن تتعلّم الدخول إلى مكان عاشت فيه، كأن العودة تحتاج الآن إلى معرفة جديدة: كيف تعبر دون أن يؤذيك بيتك، وكيف تنظر دون أن يخذل قلبك ما تراه!
تقول إن جهاز ابنتها مكسّر. وفي كلمة “جهاز” تختبئ حياة لا تعرفها قوائم الأضرار. أشياء اختيرت لترافق شابّة إلى بيتها المقبل، لتكون حولها حين تستيقظ في صباحاتها الأولى، وحين تستقبل ضيوفها وتبدأ عاداتها الصغيرة، لا نعرف كم استغرق جمعها، ولا أي قطعة أحبتها أكثر. لكننا نعرف أنها كانت معدّة للاستعمال، للفرح، لأيام لم تأت بعد، ذلك ما يمنح الكسر قسوته: أنّه يصل إلى الغد قبل أصحابه.
ملابس مبعثرة، إكسسوارات نبشت، وأشياء شخصية فقدت حرمة المكان الذي احتواها. للأدراج المغلقة معنى لا يحتاج إلى تفسير، فيها ما نختار أن يبقى بعيداً عن أعين الآخرين. حين تمتد يد غريبة إليها، يصبح الأذى أوسع من بعثرة محتوياتها. يحتاج أهل البيت بعد ذلك إلى وقت كي يطمئنّوا إلى غرفهم، إلى نومهم، إلى إمكان ترك شيء صغير في مكانه والعثور عليه حين يعودون.
وعند الباب، تظهر لوحة مستديرة تحيط بها زينة بيضاء، كتب عليها: “في بيتنا أحلى عروس”. تبدو العبارة الآن شديدة الهشاشة، وشديدة الوضوح أيضاً. لقد كان في هذا البيت استعداد لعرس. كانت هناك أسرة تريد أن تحتفل بابنتها، وأن تقول للداخلين إنّ مناسبة سعيدة تنتظرهم. تكفي هذه الكلمات القليلة لتعيد إلى المكان أهله، وتمنع العين من المرور على خرابه كما تمر على حجارة بلا أصحاب.
تذكر المرأة انقطاع الكهرباء والمياه، ثم تتحدّث عن المياه التي غمرت غرفة الجلوس، حتى الضرورات اختلت مواضعها: ماء يغيب حين يحتاجه الناس، ويملأ المكان الذي ينبغي أن يبقى جافّاً. كيف تبدأ أم بتنظيف بيت كهذا؟ أي زاوية تستحق يدها أولاً؟ وأي تعب تؤجّله إلى الغد؟ وراء كل سؤال عمل ثقيل، يتولاه أصحاب الخسارة بعدما ينتهي التصوير، ويغادر من استطاع المغادرة.
وتمتد الحكاية إلى أكثر من خمسمئة وسبع وثلاثين عائلة طردت من منازلها خلال العملية العسكرية الإسرائيلية التي استمرت أحد عشر يوماً. لكل عائلة باب خرجت منه، وشيء لم تتمكن من حمله، وترتيب لحياتها انقطع… لا تتشابه الخسارات لمجرد أنها تدخل في إحصاء واحد… قد يتوقف شخص أمام خزانة، وآخر أمام نافذة، ويظل طفل يسأل عن غرض لا يراه الكبار مهمّاً، فيما كان يمنحه الطمأنينة.
ويورد التقرير، نقلاً عن غرفة تجارة وصناعة الخليل، إغلاق ثلاثمئة وسبعة وعشرين محلاً ومنشأة، وتدمير خمس عشرة منشأة، وفقدان ألف وثلاثمئة وخمسين شخصاً أعمالهم جرّاء الحصار… وراء هذه الأعداد صباحات تعطّلت، وأيد اعتادت العمل ثم وجدت نفسها تنتظر. يستمر احتياج الأسرة إلى الطعام، وتبقى الالتزامات في مواعيدها، فيما يغلق الطريق إلى الرزق. هكذا يدخل الحصار إلى المائدة، وإلى الحديث الخافت بين الأبوين حين ينام الأولاد.
وللطلاب حصّتهم من هذا الانقطاع. الطريق إلى المدرسة يصير سؤالاً يومياً، والوصول الذي كان عادة يحتاج إلى تدبير وقلق. في حياة الطفل، تتكون الثقة من تكرار أشياء بسيطة: أن يخرج، أن يصل، أن يعود. وحين تضطرب هذه الدورة، يحمل إلى دفتره ما يفوق عمره. يصعب أن تطلب منه التركيز في درسٍ بينما يشغله باب البيت، أو يخشى ألّا يسلك غداً الطريق نفسه.
ثم يأتي التحذير من الاقتراب من بعض المباني قبل فحصها، لاحتمال وجود مخلفات عسكرية غير منفجرة، ولخطر انهيار أجزاء منها، لا تنتهي المحنة بمجرد السماح بالرجوع. تقف العائلة قرب منزلها وتنتظر من يخبرها إن كان آمناً. يكون المكان قريباً بما يكفي لتراه، وبعيداً بما يكفي لتعجز عن دخوله. حتى استعادة الأشياء تحتاج إلى إذن من سلامة الجدران والأرض.
أمام هذا كلّه، لا أريد أن أطالب أمّ العروس بأن تكون رمزاً. لها أن تتعب، أن تغضب، وأن تحزن على قطعة قد يراها غيرها قابلة للتعويض. ولابنتها الحق في فرحٍ لا يسبقه امتحان في الصبر. ليستا مطالبتين بتجميل الحكاية كي نستطيع احتمالها. يكفي أن نصغي إلى الجملة التي قالتها الأم، وأن نفهم ما تطلبه ببساطة: كان لنا بيت نعيش فيه، وكانت ابنتي تستعدّ لعرسها.
تبقى اللوحة البيضاء عند عتبة الحكاية. “في بيتنا أحلى عروس”.. أقرأها وأفكّر في حق هذه الأسرة أن تقولها مرّة أخرى، بين ضيوف يدخلون من باب سليم.
ما أثقل الماء على آخر العمر
تنحني كأنّها تصغي إلى الأرض. لكن الأرض لا تقول شيئاً يخفّف عنها، ولا ترتفع قليلاً لتقصر المسافة بين يدها ومقبض الوعاء. تمضي العجوز في غزة بجسد صار المشي عليه شاقاً، هكذا تحمل حاجتها إلى الماء. حولها خيام وركام وطريق غير ممهّد، وأمامها خطوات ينبغي أن تنجزها واحدة واحدة، قبل أن تسمح لنفسها بالتوقف.
لا نعرف اسمها. وهذا النقص الصغير في معرفتنا يوجعني. أن نرى انحناءة إنسان بوضوح، ولا نعرف الكلمة التي كان يلتفت حين تناديه أمّه. لها اسم يخصها، وحياة سبقت هذا الطريق، وأيّام لم تكن فيها امرأة مسنّة تبحث عن شربة ماء. غير أن الحرب تختصر أصحابها بقسوة، وتدفع إلى الواجهة حاجتهم الأخيرة، حتى يكاد العطش يحجب ملامح العمر كلّه.
أفكّر في يديها. لا أملك حكاية مؤكّدة عمّا صنعتاه، لكنني أتخيل ما تصنعه يدان خلال حياة طويلة: ترتّبان ثوباً، تفتحان باباً، تمسحان غباراً عن حافة نافذة، وترفعان كأساً إلى فم عطشان. حركات عاديّة لا ينتبه إليها أحد، إلى أن يأتي يوم يصبح فيه الإمساك بالمقبض عملاً مرهقاً، ويحتاج رفع الماء إلى ما تبقّى من قوّة الكتفين.
في الشيخوخة، يفترض أن تقترب الأشياء من أصحابها. أن يكون الكرسي قريباً، والكأس في متناول اليد، والطريق إلى الفراش خالياً ممّا قد يعثّر القدم. يفترض أن يتّسع الوقت لبطء الجسد، وأن تجد الركبتان فرصة للراحة. أما هنا، فعلى المرأة أن تذهب بنفسها إلى الضرورة، أن تحملها، وأن تعود بها. لا يمنحها العطش مهلة لأنها تعبت، ولا تستطيع أن تقنع جسدها بالاكتفاء بما هو أقل من الماء.
للوعاء وزن آخر حين تحمله يد مسنّة. ما يرفعه شاب بحركة عابرة قد يستدعي من هذه المرأة أن تغيّر وقفتها كلّها، وأن توزّع ألمها بين الظهر والذراعين. هكذا تقاس المسافة أحياناً. تقاس بعدد المرّات التي يحتاج فيها الإنسان إلى تعديل قبضته. وباللحظة التي يتمنى خلالها أن يضع حمله على الأرض، ثم يتذكّر مشقة الانحناء لرفعه من جديد.
ومن بعيد، قد تبدو الرحلة قصيرة. بضعة أمتار في طريق ترابي، امرأة تمر، وأناس حولها، لكننا لا نسكن ركبتيها، ولا نعرف كيف تشعر بحجر صغير تحت قدمها. ما أسهل أن ننظر إلى الحركة ونغفل الجهد الذي يبقيها ممكنة. وما أصعب أن يحتاج المرء إلى كل هذا العناء كي يحصل على شيء ينساب، في مكان آخر، بمجرّد إدارة صنبور.
أظلّ عند انحناءتها، وأفكر في الراحة التي تستحقها. لا أريد لها خاتمة بليغة تواصل بعدها سيرها وحدها. أريد كرسياً في الظل، وماء قريباً، ويداً تحمل عنها الوعاء، ثمّ وقتاً تشرب فيه على مهل، من دون أن تحسب كم بقي، أو كيف ستعود.












































