اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
السعودية تمتلك الكثير.. تمتلك النفط والطاقة، والموقع الجغرافي، والسوق الكبيرة، والقدرة المالية، وصندوقاً سيادياً عالمياً، وعلاقات سياسية ممتدة مع الشرق والغرب، ومكانة عربية وإسلامية كبيرة، وشعباً شاباً طموحاً، وهذه جميعها عناصر قوة تمنح المملكة مساحة لتعزيز نفوذها السياسي والاستراتيجي إقليمياً ودولياً.
إنها (الدبلوماسية الاقتصادية السعودية) هي واحدة من أهم الأوراق التي يمكن أن تمتلكها دولة بحجم السعودية بثقلها ومكانتها، خاصة في زمن أصبح فيه الاقتصاد مؤثراً في قلب السياسة، وأصبح الاستثمار يفتح أبوابًا كثيرة، والتجارة تبني مصالح طويلة الأمد، والطاقة تمنح مالكها مساحة واسعة للتطور، والتكنولوجيا تصنع مواقع متقدمة للدول.
وعلى مدى عقود، شكّل النفط أحد أبرز عناصر القوة في الحضور السعودي عالمياً، ورسّخ للمملكة مكانة محورية في أسواق الطاقة، ودورًا مؤثرًا في دعم استقرارها والتعامل مع تقلباتها. ومن خلال هذا الثقل، أصبحت الرياض طرفاً رئيسياً في معادلة اقتصادية تمس مصالح الدول، وتؤثر بصورة مباشرة في حركة الاقتصاد العالمي.
وكل قطاع اقتصادي جديد تبنيه المملكة يمنحها ترابطاً إضافياً في علاقاتها، وكل شركة سعودية تصل إلى الأسواق الخارجية تحمل معها جزءًا من حضور المملكة، وكل شركة عالمية تختار الرياض أو جدة أو غيرهما مركزًا لأعمالها تضيف خيطًا جديدًا إلى شبكة المصالح المرتبطة بالسعودية، وهذه الشبكة هي التي تصنع جانبًا مهمًا من النفوذ في عالم اليوم، فحين تستثمر السعودية في دولة ما، وتدخل شركاتها أسواق تلك الدولة، وتتشابك بين الطرفين التجارة والطاقة والتكنولوجيا والاستثمارات والمشروعات، فإن العلاقة تكتسب جذورًا أعمق، وتصبح المصالح المشتركة عنصرًا يحميها أمام تقلبات السياسة وتغير الحكومات والظروف.
فكلما ازدادت المصالح ازدادت الحاجة إلى حماية العلاقة، وكلما اتسعت الشراكات أصبح الحوار السياسي أكثر قوة، وكلما أصبحت السعودية مهمة لاقتصادات شركائها، أصبح حضورها السياسي أكثر تأثيرًا.
ويأتي «صندوق الاستثمارات العامة» في مقدمة أدوات الدبلوماسية الاقتصادية السعودية، بما يمثله من ثقل استثماري في الداخل والخارج، فقد بلغت أصوله المدارة 3.396 تريليون ريال وفق تقريره السنوي لعام 2025، وهو رقم يكشف حجم القوة الاستثمارية التي تمتلكها المملكة، وما تتيحه من فرص لبناء شراكات استراتيجية وعلاقات اقتصادية تمتد لسنوات.
فكل استثمار سعودي ناجح في الخارج نافذة جديدة للمملكة، وكل شركة خارجية ترتبط بمشروع سعودي تصبح لديها مصلحة مباشرة في استمرار نجاح الاقتصاد السعودي ونموه واستقراره، وهكذا تتشكل المصالح، ويتراكم النفوذ.
ومن أهم التحولات التي أحدثتها «رؤية 2030» أنها فتحت آفاقاً أوسع أمام الاقتصاد السعودي، وعززت مكانة المملكة في الاقتصاد العالمي، ودفعت نحو توطين الصناعات، وجذب الاستثمارات، وبناء شركات وطنية قادرة على المنافسة عالميًا، والوصول إلى أسواق جديدة، بما يعزز قوة الاقتصاد السعودي ويوسع حضوره خارجيًا.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في الدبلوماسية الاقتصادية للمملكة هو قدرتها على بناء علاقات واسعة مع القوى الكبرى، فهناك علاقة استراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة، وعلاقات اقتصادية وتجارية متنامية مع الصين، وفرنسا، وشراكات واسعة مع أوروبا، وعلاقات مهمة مع الهند وكوريا واليابان وغيرها.
وهنا تظهر أهمية «سياسة تنويع الشركاء» فالعالم يعيش مرحلة تتصاعد فيها المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتزداد فيها الحروب التجارية والقيود التكنولوجية، وتتعرض سلاسل الإمداد للضغوط، وتبحث الدول عن مصادر جديدة للطاقة والمعادن والمواد الخام والأسواق، ووسط كل هذه التحولات، تصبح قدرة السعودية على التعاون مع الجميع مصدر قوة لها، وتصبح شبكة علاقاتها الاقتصادية جزءًا مهماً من أمنها الوطني.
فالاقتصاد العالمي يشهد تحركًا متزايدًا نحو الشرق، والسعودية وبفضل موقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا يمنحها فرصة استثنائية لتصبح مركزًا للطاقة والتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية التي تربط هذه المساحات الاقتصادية الهائلة، فالجغرافيا هنا تتحول إلى اقتصاد، والاقتصاد يتحول إلى نفوذ.
السعودية تمتلك الطاقة المتجددة والتقنيات الجديدة، كما تعطي اهتمامًا متزايدًا لقطاع السياحة والصناعة والرياضة والتكنولوجيا والتعدين والمعادن التي تدخل في صناعات المستقبل.
وللمملكة ورقة أخرى تستحق اهتمامًا أكبر، وهي «الدبلوماسية التنموية» فالصندوق السعودي للتنمية، الذي وصلت مشروعاته وبرامجه إلى أكثر من 100 دولة، وموّل أكثر من 800 مشروع وبرنامج تنموي بقيمة تجاوزت 21 مليار دولار، يقدم نموذجًا آخر للقوة الاقتصادية السعودية في الخارج: كطريق يُبنى في دولة نامية أو مستشفى أو مدرسة أو مشروع للمياه والكهرباء، كلها مشاريع قد تترك أثرًا لعشرات السنين ويمكن أن تغير حياة مجتمع كامل.» والشعوب والدول تتذكر من وقف معها وساندها»، وهذه الذاكرة تتحول بمرور الزمن إلى رصيد من الثقة، والثقة واحدة من أثمن العملات في العلاقات الدولية.
فالدبلوماسية الاقتصادية تتطور، وأدواتها تتسع، ومن يعرف كيف يستخدم هذه الأدوات يستطيع أن يحقق لبلاده الكثير. وتبدو الفرصة كبيرة أمام المملكة لتجعل من اقتصادها صوتاً مؤثرًا في العالم، ومن استثماراتها جسورًا لعلاقاتها، ومن مشاريعها التنموية رصيدًا من الثقة لدى الشعوب، ومن رؤية 2030 قاعدة راسخة لحضور سعودي يتسع أثره إقليميًا ودوليًا.
وهنا تكمن قوة الدبلوماسية الاقتصادية السعودية: بالاستثمار، والتنمية، واستشراف المستقبل.










































