اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - لسنوات طويلة، نجح الأردن في ممارسة واحدة من أصعب سياسات الشرق الأوسط: أن يكون حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، مرتبطاً بمعاهدة سلام مع إسرائيل، محتفظاً في الوقت نفسه بعلاقاته العربية، وقادراً على إبقاء باب التواصل مفتوحاً مع إيران، من دون أن يقدم نفسه طرفاً في محاور المواجهة الإقليمية.
كانت المعادلة الأردنية تقوم، باختصار، على قاعدة واضحة:
نحن مع حلفائنا، لكننا لسنا ساحة لحروبهم.
اليوم تبدو المحافظة على هذه المعادلة أصعب من أي وقت مضى.
فالحرب الأميركية الإيرانية لم تعد تجري بعيداً عن الحدود الأردنية، والصواريخ الإيرانية لم تعد مجرد أجسام تعبر السماء باتجاه إسرائيل. في الثاني من أيلول أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن المملكة تعرضت لهجوم صاروخي انطلق من الأراضي الإيرانية، وأن الدفاعات الجوية تعاملت مع 13 صاروخاً باليستياً اخترقت المجال الجوي، وأسقطت عشرة منها، بينما سقطت ثلاثة في مناطق نائية.
وهنا تغير شيء جوهري.
الأردن لم يعد يناقش فقط سؤالاً دبلوماسياً عن موقفه من حرب الآخرين.
بات يواجه سؤالاً أمنياً مباشراً:
ماذا يفعل عندما تصل حرب الآخرين إلى أرضه؟
واشنطن.. الحليف الذي يحتاجه الأردن ولا يريد أن يدفع ثمن حروبه
العلاقة الأردنية الأميركية ليست علاقة طارئة، ولا يمكن اختزالها في الحرب الحالية.
هناك تعاون سياسي وعسكري وأمني واقتصادي ممتد لعقود، والولايات المتحدة واحدة من أهم شركاء الأردن الدوليين.
وفي تموز، قال وزير الخارجية أيمن الصفدي إن الجنود الأميركيين موجودون في المملكة في إطار تعاون طويل الأمد، ولا سيما في مكافحة تنظيم الدولة، وضمن اتفاقية دفاعية، لكنه نفى الرواية الإيرانية بشأن وجود «قواعد أميركية» تستخدم لتبرير استهداف الأردن، مؤكداً أن المملكة ليست طرفاً في النزاع.
وهذه النقطة مهمة جداً لفهم الموقف الأردني.
عمّان لا تريد التخلي عن تحالفها مع واشنطن.
لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول كلفة هذا التحالف إلى صواريخ تسقط فوق الأردنيين.
وهنا تبدأ المعضلة.
من وجهة النظر الإيرانية، الوجود العسكري الأميركي في دول المنطقة جزء من البنية العسكرية التي تحارب طهران.
أما من وجهة النظر الأردنية، فإن وجود تعاون دفاعي مع دولة حليفة لا يمنح إيران حق استهداف الأراضي الأردنية.
وبين المنطقين يقف الأردن أمام حقيقة قاسية:
طهران قد تقرأ بعض عناصر التحالف الأردني الأميركي بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي تقرؤها بها عمّان.
إيران.. من علاقة يمكن إدارتها إلى تهديد مباشر؟
الأردن لم يكن تاريخياً في مقدمة الدول العربية الأكثر عداءً لإيران.
كانت هناك خلافات كبيرة، وشكوك متبادلة، وملفات مرتبطة بسوريا والعراق والفصائل المسلحة والتدخلات الإقليمية، لكن بقيت القنوات السياسية مفتوحة.
بل إن الأردن رحب في حزيران بالاتفاق الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران لإنهاء العمليات العسكرية وبدء مفاوضات نحو اتفاق دائم، وشدد حينها على حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
أي أن المصلحة الأردنية كانت ـ وما تزال ـ في إيران مستقرة يمكن التعامل معها دبلوماسياً، لا إيران في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن تكرار الهجمات يضغط على هذه المساحة.
فالأردن يستطيع أن يقول مرة إنه لا يريد التصعيد.
ويستطيع أن يمارس ضبط النفس.
ويستطيع أن يدعو إلى الدبلوماسية.
لكن ماذا يحدث إذا استمرت الصواريخ؟
عند نقطة ما يتحول ضبط النفس من خيار دبلوماسي إلى سؤال يتعلق بمصداقية الردع.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الأردن سيذهب إلى مواجهة هجومية مع إيران؛ فهذا ليس في مصلحته.
لكن يعني أن طهران تخاطر بنفسها بتغيير طبيعة العلاقة مع عمّان من:
«دولة نختلف معها»
إلى:
«مصدر تهديد مباشر للأمن الوطني».
وهذا تحول استراتيجي لا يصب في مصلحة أي من الطرفين.
وتل أبيب.. سلام رسمي وخلاف سياسي عميق
على الجبهة الأخرى تقف إسرائيل.
وهنا المفارقة الأردنية ربما أكبر.
الأردن مرتبط مع إسرائيل بمعاهدة سلام منذ 1994، وهناك اعتبارات حدودية وأمنية ومائية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.
لكن العلاقة السياسية ليست في أفضل حالاتها.
فالخلاف حول غزة والضفة الغربية والاستيطان والقدس والتهجير ومستقبل الدولة الفلسطينية يمس بالنسبة إلى الأردن مصالح أمن قومي مباشرة، وليس مجرد تضامن سياسي مع الفلسطينيين.
وهذه نقطة أساسية.
بالنسبة إلى دولة بعيدة، يمكن أن يكون مستقبل الضفة الغربية قضية سياسة خارجية.
بالنسبة إلى الأردن، هو قضية حدود وديموغرافيا وأمن وهوية واستقرار داخلي.
ولهذا لا يستطيع الأردن ببساطة أن يتحول إلى جزء من «محور إسرائيلي» ضد إيران، حتى لو كان الطرفان يواجهان تهديداً إيرانياً في بعض اللحظات.
لأن إسرائيل نفسها تمثل، من خلال بعض سياساتها تجاه الفلسطينيين، مصدر قلق استراتيجي للأردن.
وهنا تصبح الصورة شديدة التعقيد:
واشنطن حليف الأردن.
إسرائيل لديها سلام مع الأردن لكنها تختلف معه جذرياً في ملفات وجودية.
إيران دولة يريد الأردن علاقة طبيعية معها، لكنها تستهدف أراضيه بالصواريخ.
فكيف يصنع القرار الأردني توازناً بين الثلاثة؟
ربما كلمة «التوازن» نفسها لم تعد دقيقة
الأردن لا يستطيع أن يقف على مسافة متساوية من واشنطن وطهران وتل أبيب.
ولم يكن يفعل ذلك أصلاً.
علاقاته مع الولايات المتحدة تختلف جذرياً عن علاقاته بإيران، وعلاقته بإسرائيل تحكمها معاهدة سلام وواقع جغرافي لا يشبه أياً منهما.
لذلك ربما لا تكون السياسة الأردنية سياسة توازن بين الأطراف بقدر ما هي سياسة توازن بين المصالح.
وهذا فرق مهم.
المصلحة الأولى: حماية الأرض والمواطن.
المصلحة الثانية: منع تحويل الأردن إلى ساحة حرب.
المصلحة الثالثة: المحافظة على التحالفات التي يحتاجها أمنياً واقتصادياً.
المصلحة الرابعة: عدم خلق عداوات إقليمية غير ضرورية.
المصلحة الخامسة: منع تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن.
والمصلحة السادسة: إبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة حتى مع الخصوم.
إذا نظرنا إليها بهذه الطريقة، يصبح الموقف أكثر وضوحاً.
الأردن ليس مطالباً بأن يختار بين أميركا وإيران.
ولا بين إيران وإسرائيل.
الأردن مطالب بأن يختار الأردن.
ماذا تعني عبارة «الأردن ليس ساحة حرب» عملياً؟
هذه العبارة تبدو ممتازة سياسياً.
لكن الحرب الحالية تختبر معناها العملي.
إذا دخل صاروخ المجال الجوي الأردني، هل يعترضه الأردن؟
بالطبع.
وقد فعل ذلك مراراً، وأكد الجيش أن حماية المجال الجوي والسيادة واجب لا يخضع لهوية الجهة التي تطلق التهديد. وفي تموز مثلاً أعلنت القوات المسلحة إسقاط ثمانية صواريخ إيرانية كانت متجهة نحو الأراضي الأردنية.
وهنا يجب إزالة واحدة من أكثر المغالطات انتشاراً في النقاش الإقليمي:
إسقاط الصاروخ الذي يدخل المجال الأردني لا يعني تلقائياً أن الأردن يحارب لمصلحة إسرائيل أو أميركا.
إذا كان الجسم يشكل تهديداً للأراضي الأردنية أو لسكانها أو لطائراتها المدنية، فالدولة لا تحتاج إلى معرفة الموقف السياسي من مطلقه قبل أن تحمي سماءها.
السيادة التي تسمح لصاروخ حليف بالعبور ليست سيادة كاملة.
والسيادة التي تمنع صاروخ الخصم فقط ليست سيادة أيضاً.
القاعدة يجب أن تكون:
سماء الأردن ليست ممراً عسكرياً لأحد.
لكن الحياد يحتاج إلى قدرة
وهنا تظهر نقطة كثيراً ما تُهمل.
يمكن لدولة أن تعلن الحياد، لكن إعلان الحياد وحده لا يحميها.
الحياد في منطقة تمتلئ بالصواريخ والطائرات المسيّرة يحتاج إلى رادارات ودفاع جوي واستخبارات وقدرة عسكرية وشركاء.
وهذه القدرات نفسها تحتاج إلى تحالفات.
وهنا نعود إلى واشنطن.
الأردن يحتاج الشراكة العسكرية الغربية لكي يستطيع حماية نفسه من تداعيات الحرب، لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى إقناع المنطقة بأن هذه الشراكة دفاع عن الأردن وليست منصة للهجوم على الآخرين.
وهذه معادلة دقيقة للغاية.
كلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة المحافظة عليها.
والخطر ليس عسكرياً فقط
الحرب لا تحتاج إلى إسقاط صاروخ في وسط عمّان حتى تؤذي الأردن.
يكفي أن تصبح سماؤه مصنفة خطرة.
فهناك بالفعل تحذيرات طيران دولية مرتبطة بالمخاطر الناجمة عن الصواريخ والطائرات المسيّرة وعمليات الاعتراض في المجال الجوي الأردني.
وهذا يعني أن الصراع يستطيع أن يضرب السياحة والطيران والاستثمار والتجارة والتأمين والشحن قبل أن يصيب مبنى واحداً.
ثم هناك الطاقة.
والغذاء.
وحركة التجارة عبر البحر الأحمر والخليج.
والعراق.
واللاجئون.
وأي اضطراب في مضيق هرمز.
الحرب الإقليمية بالنسبة إلى الأردن ليست خبراً خارجياً.
إنها فاتورة تصل إلى المواطن حتى عندما لا تصل الصواريخ إليه.
والتصعيد الحالي حول هرمز والطاقة يؤكد أن المواجهة الأميركية الإيرانية ما تزال قابلة لإنتاج ارتدادات اقتصادية وأمنية أوسع في المنطقة.
هل يستطيع الأردن الابتعاد عن الحرب؟
جغرافياً، بصعوبة.
الأردن يقع بين العراق وسوريا وإسرائيل والسعودية والضفة الغربية، وعلى مقربة من أحد أكثر أحزمة الصراع توتراً في العالم.
لكن سياسياً يستطيع أن يحدد قواعد واضحة.
لا استخدام للأراضي الأردنية للاعتداء على دولة أخرى.
لا قبول باعتداء دولة أخرى على الأردن بذريعة وجود حلفاء داخله.
لا مرور للصواريخ والطائرات المسيّرة عبر المجال الأردني.
لا تنازل عن الشراكات الاستراتيجية.
ولا إغلاق لباب الدبلوماسية.
هذه ليست سياسة «الوقوف في المنتصف».
إنها محاولة الوقوف خارج الحرب وداخل شبكة المصالح التي تمنع الحرب من ابتلاع الأردن.
المشكلة أن المنطقة تدفع الجميع نحو المحاور
كلما اشتدت المواجهة الأميركية الإيرانية، يصبح السؤال الموجه إلى دول المنطقة أكثر قسوة:
مع من أنتم؟
لكن هذا السؤال نفسه قد يكون فخاً للأردن.
فالأردن ليس مضطراً إلى تبني المشروع الإيراني حتى يرفض سياسات إسرائيل.
وليس مضطراً إلى قبول سياسات إسرائيل حتى يدين الصواريخ الإيرانية.
وليس مضطراً إلى الموافقة على كل قرار أميركي حتى يحافظ على تحالفه مع واشنطن.
الدول لا تُدار بمنطق مشجعي كرة القدم.
يمكن أن تكون حليفاً لدولة وتختلف معها.
ويمكن أن تكون مختلفاً مع دولة وتبقي سفارتك وقنوات الاتصال معها مفتوحة.
ويمكن أن تدافع عن نفسك ضد إيران اليوم، ثم تدعم التفاوض معها غداً.
بل هذا تحديداً ما فعلته الدبلوماسية الأردنية: دعم الحل السياسي، مع التشديد في الوقت نفسه على حق المملكة في الدفاع عن سيادتها.
إذن.. هل ما زالت سياسة التوازن ممكنة؟
نعم، ولكنها أصبحت أغلى وأصعب وأكثر خطورة.
في الماضي كان التوازن يحتاج إلى دبلوماسية ماهرة.
اليوم يحتاج أيضاً إلى دفاع جوي قوي، واقتصاد قادر على امتصاص الصدمات، وتحالفات موثوقة، ورسالة سياسية لا تحتمل الالتباس.
والأهم أنه يحتاج إلى خط أحمر يفهمه الجميع:
الأردن ليس جائزة لأي محور.
ليس قاعدة متقدمة لحرب أميركية على إيران.
وليس ممراً لصواريخ إيرانية نحو إسرائيل.
وليس حديقة خلفية لحسابات إسرائيلية تتعلق بفلسطين.
إنه دولة لها مصالحها وحدودها ومواطنوها وحساباتها.
وهنا ربما نحتاج إلى تعديل السؤال الذي بدأنا به.
ليس:
كيف يوازن الأردن بين واشنطن وطهران وتل أبيب؟
بل:
كيف يجعل واشنطن وطهران وتل أبيب تفهم أن علاقته بكل واحدة منها تتوقف عند حدود المصلحة والسيادة الأردنية؟
ففي الشرق الأوسط الجديد، قد لا يكون النجاح أن تبقى في منتصف المسافة بين الخصوم.
النجاح هو أن تكون واضحاً بما يكفي لكي يعرف الخصوم والحلفاء معاً أن هناك مساحة واحدة غير قابلة للتفاوض:
وهنا ربما لا يعود السؤال: كيف يوازن الأردن بين واشنطن وطهران وتل أبيب؟ بل كيف يحافظ على علاقاته وتحالفاته من دون أن يدفع ثمن صراعات الآخرين؟
فالتوازن الأردني لن ينجح إذا فُهم على أنه وقوف في منتصف المسافة بين الخصوم، وإنما عندما تكون القاعدة واضحة للجميع: لا تحالف يعلو على السيادة، ولا علاقة تبرر الاعتداء، ولا صراع إقليمي يملك حق تحويل الأردن إلى ساحة أو ممر.
وفي النهاية، ليست مهمة السياسة الأردنية أن تختار بين واشنطن وطهران وتل أبيب، بقدر ما هي أن تختار، في كل مرة، أمن الأردن ومصلحته أولاً.












































