اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
ليست الأغنية الوطنية مجرد كلماتٍ تُصاغ وألحانٍ تُرتجل، بل هي ذاكرة شعبٍ تختزن حكاياته وتاريخه، وتنبض بوجدان أبنائه لتستنهض فيهم معاني الانتماء والاعتزاز الخالص بالهوية. فالأغنية الصادقة لا يخفت صداها بمرور الزمن، ولا تذوي بانتهاء مناسبتها ، بل تتأصل في الضمير الجمعي، تتناقلها الأجيال كوثيقة وجدانية وتستحضرها الأوطان في اللحظات التي تحتاج فيها إلى صوتٍ صادق يعبّر عنها.
وتجسيدًا لهذا الدور، يبرز الفنان الأردني الكبير عمر العبداللات بوصفه صوتًا رسّخ حضوره ووسّع دائرة تأثيره، مقدّمًا أعمالًا لامست عمق وجدان الأردنيين، وترجمت نبض نخوتهم وشهامتهم وارتباطهم الوثيق بأرضهم وقيادتهم
لقد شكّلت الأغنية الوطنية الركيزة الأعمق في مسيرته؛ فلم تقتصر على معاني الوفاء، بل امتدت لتلامس صرح الجيش العربي بمختلف تشكيلاته، ومدن المملكة وقراها التي تختزن حكايات التضحية. وإلى جانب ذلك، انحاز العبداللات إلى الموروث الشعبي الأردني، يعيد تقديمه بأسلوب متجدد يقرّبه من أجيال الغد مع الحفاظ الحرفي على طابعه الأصيل. ومن أبرز المحطات التي تحمل دلالات وجدانية عميقة، تبرز أغنيته الاخيرة وهي من كلمات الشاعر احمد الفاعوي 'يا عين حمود لا تبكي' ، التي استحضرت الفاجعة الأليمة لبلدة حمّود في محافظة الكرك؛ إذ تجاوز العمل حدود النغم ليغدو شهادة إنسانية تحوّل الألم إلى صوت يحفظ ذاكرة المكان ويصون حكايات أهله في وجدان الأجيال.
هذا العطاء الموصول لا ينفصل عن جذوره؛ فهو يمتد في عمق تاريخ عريق من الفن الأردني الملتزم الذي أضاء ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بمساحات التعبير عن النخوة الأردنية. وتتجسد هذه الروح في قامات ورموز بارزة، في مقدمتهم الفنانة سلوى العاص، والعمل الوطني الخالد ' تِخسى يا كوبان، ما إنتَ ولف لي.. ..ولفي شاري الموت، لابس عسكري'في العام 1971م ، الذي تُشير الروايات إلى أن كلماته تلاقحت بوعي رجال الأردن الكبار، الشهيد وصفي التل، والمشير حابس باشا المجالي، والشاعر حسني فريز. فالعودة إلى الجذور ليست حنينًا إلى الماضي فحسب، بل تأكيدٌ على أن الفن الأصيل يورّث روحه لا قوالبه.
وفي محطة دالة تعكس الاعتزاز بالهوية، يلفت الانتباه ظهور العبداللات باللباس السَّلطي التراثي أثناء أدائه البارع لأغنية لا تجرحيني للشاعر سالم حزمي اللميع؟ ؛ في مشهدٍ يختزل ثقة الموروث الأردني وانفتاحه الواعي على جماليات الفن العربي دون تفريط بالخصوصية.
ولا يكتمل هذا الوفاء دون استذكار قامةٍ شعريةٍ كبرى حفرت كلماتها مكانًا في وجدان الأردنيين، هو الشاعر الراحل حبيب الزيود، رحمه الله، الذي خطّ لعمر العبداللات كلماتٍ أسهمت في إثراء الذاكرة الوطنية، فظلّ حرفه حيًّا في صوتٍ حمل كلماته إلى قلوب الناس.
وختامًا، تبقى الأغنية الوطنية الأصيلة الجسر الأمتن بين الماضي والحاضر، والذاكرة التي تصل الأجيال بحكايات الوطن وقيمه. وكل التحية والتقدير للفنان عمر العبداللات على حضوره الراسخ في وجدان الأردنيين؛ فصوته في الأفراح كفٌّ تربت على كتف الوطن، فتزداد بهجته ألقًا، وفي الأحزان بلسمٌ يلامس الوجع ويخفف ثقل الشجن.
رحم الله الشاعر حبيب الزيود، وأطال في عمر عمر العبداللات، وبارك في عطاء كل من جعل الفن رسالةً تحفظ ذاكرة الوطن وتعزّز هويته؛ ليبقى الفن مرآةً للإنسان، وصوتًا صادقًا للوجدان الوطني












































