اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
لا يعيش الشرق الأوسط اليوم هدنة تمهّد لسلام دائم، وقد تتجه الأوضاع إلى حرب شاملة لا تحسم الصراع ولا تقتلع جذوره. ومما يبدو فالإقليم اليوم في ساحة انتظار حرجة وسط 'منطقة رمادية' تتداخل فيها أدوات المواجهة، وتتكدس أسباب التصعيد بما يهدد بخروج الأمور عن سيطرة كل الأطراف. وقد أظهرت أحداث عام 2026، وما صاحبها من تفاهمات هشّة واضطرابات في ممرات الملاحة والطاقة، أن العمليات العسكرية الناجحة لا تعني امتلاك القدرة على إنهاء الحرب سياسيًا. فقد تختار بعض الأطراف (مثل واشنطن وتل أبيب) موعد الضربات وأهدافها، لكنها لا تستطيع ضمان نتائجها أو السيطرة على تداعياتها خارج حدود المواجهة.
وتحكم المعادلة الإقليمية أيضًا، مفارقة أساسية يتبين فيها أن كل طرف يسعى إلى إقناع خصمه باستعداده للذهاب بعيدًا في التصعيد، لكنه يخشى أن تدفعه رسالة الردع نفسها إلى حرب شاملة تتجاوز الخطوط الحمراء. وذلك أن هذه الخطوط -في منطقة مضطربة- تتوزع بين دول ذات سيادة، وجماعات مسلحة غير نظامية، وساحات مترابطة، وقيادات تتباين تقديراتها لتكاليف الحرب.
لذلك، يخطئ التحليل السياسي حين يتعامل مع كل ساحة بوصفها ملفًا منفصلًا، أو يفترض أن القرارات العسكرية تصدر دائمًا عن سلسلة قيادة منضبطة يمكن توقّع سلوكها. فالفاعلون من غير الدول، وتقلبات أسواق الطاقة، والضغوط الداخلية، عوامل يمكنها إرباك الحسابات وإضعاف الاستراتيجيات. وقد تتيح الحسابات السياسية الداخلية لدول فاعلة فترات تهدئة مؤقتة، لكنها لا تضمن استمرارها. ولا يعني ذلك أن المرحلة المقبلة ستشهد انفراجًا؛ فتغيّر القيادات عند أطراف فاعلة (سواء بانتخابات أو غيرها) لا يبدّل بالضرورة العقائد الأمنية والمصالح الراسخة، للقوى المنخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في صراعات المنطقة.
ووراء هذا المشهد خلل أعمق في فهم القوة وحدود استخدامها. فقد بيّنت الحروب الأخيرة أن التفوق العسكري الكبير قادر على تدمير البنى وإضعاف الخصوم، لكنه لا يكفي لفرض تسوية سياسية مستدامة. وفي المقابل، تحتفظ الأطراف الواقعة تحت الضربات والعقوبات بأدوات ضغط عابرة للحدود، تمكّنها من تعطيل الاستقرار، لكنها لن تمنحها القدرة على حسم تموضعها في النظام الدولي أو الإقليم. أما القوى الأكبر فتواجه مفارقة أخرى، فكلما اتسعت عملياتها العسكرية، ضاقت خياراتها السياسية، خصوصًا مع غياب مسار لمعالجة عادلة للقضية الفلسطينية، التي يراها كثيرون من أعمق ذرائع الصراع وجذوره. وفي هذا السياق، لم تكن ساحات مثل لبنان واليمن والعراق وربما سوريا أطرافًا هامشية، بل هي مسارات رئيسية لنقل تكاليف المواجهة وإعادة توزيعها على المنطقة.
ومن جهة أخرى، لم يعد الاقتصاد المرتبط بالجغرافيا السياسية انعكاسًا متأخرًا لما يجري في الميدان، بل صار ساحة مواجهة قائمة بذاتها. فتهديد ممرات مثل 'هرمز' و'باب المندب' لا يقتصر أثرها على تدفق النفط، بل يمتد إلى تكاليف التأمين والشحن، وسلاسل الإمداد، ومشاريع التحول الاقتصادي. كما أظهرت التهديدات الموجّهة إلى البنية التحتية في الخليج أن هذه الدول المنشغلة بالتنمية تتحمل أعباء نزاعات لم تختر الدخول فيها. ولهذا تسعى هذه الدول إلى الجمع بين تطوير دفاعاتها وشراكاتها، وتنويع طرق الإمداد، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية، مع التمسك برفض تحويل أراضيها ومحيطها الحيوي إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
وفي الخلفية، يبدو النظام الدولي المترهّل عاجزًا عن القيام بدوره. فالولايات المتحدة تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة حضورها العسكري إلى ترتيبات سياسية مقبولة، بينما تكتفي الصين بثقلها التجاري من دون تحمّل أعباء الضامن الأمني، وتنظر روسيا إلى المنطقة من منظور ملف أوكرانيا وتنافسها الدولي الأوسع. أما القوى الأوروبية الوازنة، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، فتسعى إلى حماية مصالحها التجارية والأمنية ومنع اتساع المواجهة، لكن أوضاعها الداخلية المرتبكة، وتباين أولوياتها ومحدودية استقلالها الأمني عن واشنطن يقيّدان قدرتها على بلورة مبادرة سياسية مؤثرة.
وفي غياب تصوّر سياسي يتجاوز إدارة التصعيد إلى معالجة أسبابه، تظل أي حرب حبلى بحروب، وتبقى أي تهدئة عرضة للانهيار مع كل اختبار جديد. لذلك لا يتمثل السؤال الأهم في متى ومن الطرف الذي سيوجّه الضربة التالية، بل في غياب رؤية متكاملة لليوم الذي يليها.
الحمقى يتنافسون على إشعال النار، والعقلاء يفكّرون فيما سيبقى بعدها.










































