اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٣٠ أب ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
لم تعد الرقمنة في الأردن مشروعاً تجريبياً، ولا شعاراً مؤجلاً للمستقبل. عشرات الخدمات انتقلت إلى المنصات الإلكترونية، ومئات الإجراءات أصبحت متاحة عبر الهاتف، والحكومة تتحدث اليوم بلغة الأرقام عن نسب مرتفعة من التحول الرقمي.
لكن السؤال الذي يجب أن يسبق الاحتفال بهذه الأرقام هو أبسط وأقسى في الوقت نفسه: هل انتهت الواسطة من المعاملة؟
لأن المواطن لا يقيس نجاح الحكومة الرقمية بعدد التطبيقات التي حمّلها، ولا بعدد الخدمات التي ظهرت على الشاشة، بل بعدد الأبواب التي لم يعد مضطراً لطرقها، وعدد الموظفين الذين لم يعد مضطراً للبحث عنهم، وعدد المرات التي لم يعد فيها بحاجة إلى الاتصال بصديق يعرف شخصاً «يمشي المعاملة».
إذا أصبحت المعاملة إلكترونية، لكنها تتعطل بلا سبب واضح، ويُطلب من المواطن أن يراجع الدائرة، ثم يبدأ بالسؤال: «مين بنعرف هناك؟»، فإننا لم ننتقل فعلياً إلى الحكومة الرقمية. نحن فقط نقلنا بداية المعاملة إلى الهاتف، وأبقينا نهايتها في الثقافة القديمة ذاتها.
التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ عندما نستبدل الورقة بنموذج إلكتروني، بل عندما نستبدل مزاج الموظف بالقاعدة، والعلاقة الشخصية بالنظام، والواسطة بالشفافية.
هذه هي القيمة الأكبر للرقمنة، وربما أهم حتى من السرعة وتوفير الوقت.
في النظام التقليدي كانت قوة المواطن، في بعض الحالات، تتأثر بقدرته على الوصول إلى الموظف المناسب. من يعرف شخصاً قد يختصر الطريق، ومن لا يعرف ينتظر. ومن يمتلك رقماً هاتفياً لمسؤول قد يحصل على تفسير، ومن لا يملكه يبقى أمام عبارة: «راجعنا الأسبوع القادم».
أما في الدولة الرقمية، فيفترض أن يكون الجميع متساوين أمام الشاشة.
الوزير والمواطن، ابن العاصمة وابن القرية، صاحب العلاقات ومن لا يعرف أحداً، يجب أن يحصلوا على الإجابة نفسها إذا كانت أوراقهم وشروطهم متطابقة.
هنا تحديداً تصبح الرقمنة مشروع عدالة، لا مجرد مشروع تقني.
لكن هذا لا يحدث تلقائياً لمجرد إطلاق تطبيق أو بوابة إلكترونية.
قد تكون المعاملة رقمية، لكن القرار خلفها ما يزال يدوياً وغير واضح. وقد يستطيع المواطن تقديم الطلب إلكترونياً، لكنه لا يعرف لماذا رُفض. وقد يتابع حالة الطلب، لكنه يرى كلمة «قيد الإجراء» لأيام أو أسابيع من دون معرفة أين توقف الملف، ومن المسؤول عنه، ومتى سينتهي.
وفي هذه اللحظة تعود الواسطة من النافذة.
حين يغيب التفسير، يبحث المواطن عن شخص يفسر.
وحين يغيب الموعد المحدد، يبحث عن شخص يسرّع.
وحين لا يعرف أين توقفت معاملته، يبحث عن شخص يدخل إلى النظام ويرى ما لا يستطيع هو رؤيته.
أي أن الفراغ الذي تتركه الخدمة الرقمية الناقصة تملؤه العلاقات الشخصية سريعاً.
ولهذا لا يكفي أن نقيس نسبة الخدمات التي جرى رقمنتها. يجب أن نبدأ بقياس مؤشرات أكثر جرأة: كم معاملة أُنجزت من البداية إلى النهاية من دون مراجعة بشرية؟ كم طلباً رُفض مع بيان السبب بوضوح؟ كم معاملة تجاوزت المدة المحددة؟ كم مواطناً اضطر إلى زيارة المؤسسة رغم أن الخدمة مصنفة «إلكترونية»؟ وكم شكوى ترتبط بتأخير غير مبرر؟
هذه الأرقام أهم من عدد الخدمات الموجودة على التطبيق.
فالخدمة التي تبدأ رقمياً وتنتهي بطابور ليست خدمة رقمية كاملة.
والخدمة التي تحتاج إلى رفع وثيقة صادرة أصلاً عن مؤسسة حكومية أخرى تكشف أن المؤسسات لم تربط بياناتها بعد كما يجب.
والخدمة التي يستطيع موظف تعطيلها بلا تفسير واضح لم تتحرر من البيروقراطية، حتى لو كان طلبها يقدم من أحدث هاتف.
هناك أيضاً سؤال أشد حساسية: هل تستطيع الأنظمة الرقمية أن تحد من الواسطة فعلاً؟
الإجابة نعم، ولكن بشرط أن نصممها لهذا الهدف.
عندما تكون شروط المعاملة محددة مسبقاً، ووقت الإنجاز معروفاً، وتسلسل الطلب قابلاً للتتبع، وأسباب الرفض مكتوبة، ولا يستطيع أحد تغيير الدور أو القفز فوقه دون أن يترك النظام أثراً، فإن مساحة الواسطة تضيق تلقائياً.
وهذا أحد أكبر مكاسب الحكومة الرقمية التي لا نتحدث عنها بما يكفي.
الواسطة لا تزدهر فقط لأن بعض الناس يحبون استخدامها. إنها تزدهر أيضاً عندما تكون الإجراءات ضبابية، والوقت مفتوحاً، والصلاحيات واسعة، والمساءلة ضعيفة.
كلما زادت مساحة الغموض، زادت قيمة «من نعرف».
وكلما زادت شفافية النظام، انخفضت قيمة دفتر الأرقام.
لكن علينا كذلك ألا نقع في خطأ آخر: أن نصنع بيروقراطية إلكترونية أكثر قسوة من البيروقراطية الورقية.
ليس المطلوب أن نقول للمواطن: «الخدمة موجودة إلكترونياً وانتهى دورنا».
هناك مسنون، وأشخاص لا يجيدون التعامل مع التطبيقات، ومواطنون قد يواجهون مشكلة تقنية أو نقصاً في الوصول إلى الإنترنت أو الهاتف المناسب.
الحكومة الرقمية الناجحة لا تعاقب هؤلاء، بل توفر لهم مساعدة حقيقية تحفظ كرامتهم وحقهم في الخدمة، من دون أن تعيد إنتاج الموظف الوسيط الذي يتحكم بالمعاملة.
التحول الرقمي أيضاً يجب أن يعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة.
في العقلية القديمة كان المواطن «مراجعاً».
والكلمة نفسها تحمل معنى أنه يأتي طالباً خدمة من المؤسسة.
أما في الدولة الحديثة، فهو مستخدم لخدمة عامة ممولة من الضرائب والمال العام، ومن حقه أن يعرف شروطها وموعد إنجازها ومسارها وسبب تأخرها ووسيلة الاعتراض عليها.
هذا التحول الثقافي أهم بكثير من شكل التطبيق.
وقد نصل يوماً إلى مرحلة لا يسأل فيها المواطن: «هل المعاملة إلكترونية؟»، لأن الأصل سيكون أن الخدمات كلها مترابطة، وأن الحكومة هي التي تجمع البيانات من مؤسساتها، لا أن تطلب من المواطن أن يحمل أوراق الدولة من دائرة إلى دائرة.
المواطن ليس ساعي بريد بين المؤسسات الحكومية.
ولا يجب أن يُطلب منه إثبات معلومة تمتلكها الحكومة بالفعل.
إذا كانت مؤسسة تعرف عنوان المواطن، وأخرى تعرف حالته الاجتماعية، وثالثة تعرف بيانات مركبته، ورابعة تعرف سجله المهني، فإن التكامل الحقيقي يعني أن تتبادل هذه المؤسسات ما يسمح به القانون دون تحميل المواطن عبء إعادة إنتاج الوثائق نفسها.
هنا سنشعر بأن الرقمنة غيرت الدولة، لا واجهتها فقط.
الإنجاز الذي تحقق في السنوات الماضية مهم، ومن غير الإنصاف إنكاره. الخدمات الحكومية الإلكترونية توسعت بصورة واضحة، وتجربة المواطن تغيرت في مجالات عديدة، وأصبحت إجراءات كانت تحتاج إلى ساعات أو أيام قابلة للإنجاز خلال دقائق.
لكن الإنجاز الحقيقي لا يخشى الأسئلة.
بل يحتاج إليها.
والمرحلة المقبلة يجب ألا يكون شعارها «رقمنة المزيد من الخدمات» فقط، بل إغلاق الدائرة بالكامل: طلب إلكتروني، تحقق إلكتروني، دفع إلكتروني، قرار إلكتروني، إشعار واضح، حق اعتراض، ومدة إنجاز قابلة للقياس.
وعندها فقط نستطيع طرح الاختبار الأهم:
هل يستطيع مواطن لا يعرف وزيراً، ولا مديراً، ولا موظفاً، ولا نائباً، ولا يمتلك رقماً هاتفياً لأحد، أن يحصل على حقه في الوقت نفسه وبالكفاءة نفسها التي يحصل عليها صاحب العلاقات؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام تحول رقمي حقيقي.
أما إذا كان الهاتف يفتح المعاملة، ثم تأتي الواسطة لإغلاقها، فإننا نكون قد رقمنّا النموذج فقط، وتركنا النظام القديم كما هو.
فالغاية ليست حكومة بلا ورق فحسب، بل دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى أحد كي يحصل على حقه.
وعندما نصل إلى ذلك، لن تكون الرقمنة مجرد إنجاز تقني.












































