اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
*قراءة قانونية سياسية في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، في الثاني من تشرين الثاني عام 2026، مجرد خطاب تقليدي لافتتاح دورة برلمانية جديدة، أو مناسبة لاستعراض أولويات الدولة في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، بل حمل في مضامينه رسائل سياسية ودستورية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، وتستحق قراءة مختلفة لا تقف عند حدود العبارات المباشرة التي تضمنها الخطاب، وإنما تتعمق في دلالاتها وما تنطوي عليه من تصورات بشأن مستقبل الدولة الأردنية وطبيعة العلاقة بين السلطة والمواطن، وبين المسؤولية العامة وسيادة القانون.
ولعل ما يميز هذا الخطاب أن أهميته لا تكمن فقط فيما قيل فيه صراحة، وإنما فيما يمكن استخلاصه من ترتيب الرسائل وتداخل مضامينها، ومن الانتقال بين قضايا الأمن والسيادة والديمقراطية والوظيفة العامة وحقوق المواطنين. فثمة خيط دستوري وسياسي يجمع هذه الموضوعات، يتمثل في إعادة التأكيد على أن قوة الدولة لا تقاس بمدى اتساع سلطتها أو نفوذ مؤسساتها، وإنما بمدى خضوع هذه السلطة للقانون، وقدرتها على حماية المواطن وصون كرامته وضمان عدم تحول الموقع العام إلى مصدر للامتياز أو وسيلة للإفلات من المساءلة.
ومن هنا، فإن العبارة الملكية التي أكد فيها جلالته أنه «لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيا كان، فهيبة الدولة وسيادة القانون يتقدمان على كل شيء»، وقوله إن «القانون لا يعرف اسما، ولا منصبا، ولا نفوذا»، تستحق، في تقديري، وقفة قانونية تتجاوز تفسيرها في إطار مكافحة الفساد بصورته التقليدية. فنحن أمام رسالة تتصل بجوهر الدولة القانونية، وتؤكد أن الموقع الوظيفي لا ينبغي أن يتحول إلى مظلة تحمي صاحبه من المسؤولية، وأن السلطة العامة ليست امتيازاً شخصياً يمنح من يتولاها مركزاً فوق القانون، وإنما اختصاص قانوني مقيد بحدود الدستور والتشريع والغاية التي من أجلها منحت هذه السلطة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب بنية الدولة ليس وقوع المخالفة القانونية فحسب، وإنما نشوء ثقافة مؤسسية تعتقد أن النفوذ قادر على تعطيل القانون، أو أن المنصب يوفر حماية غير مشروعة لصاحبه، أو أن تطبيق القواعد القانونية يختلف باختلاف مكانة الأشخاص ومواقعهم. ولذلك فإن الرسالة الملكية، في بعدها الأعمق، تعيد الاعتبار إلى مبدأ المساواة أمام القانون وخضوع الإدارة العامة للقانون، باعتبارهما من أهم مقومات الشرعية الدستورية. فالمسؤول، مهما علا موقعه، يبقى خاضعاً للقواعد القانونية، وتظل قراراته وتصرفاته قابلة للرقابة والمساءلة وفق الأصول المقررة.
ولا بد هنا من التمييز بين الحصانة الدستورية التي قررها المشرع الدستوري لبعض الوظائف، وبين الإفلات من المسؤولية القانونية. فالحصانات المقررة دستورياً، ومنها ما يتعلق بأعضاء مجلس الأمة وفق المادتين (86) و(87) من الدستور، إنما وجدت لضمان استقلال الوظيفة الدستورية وحماية حرية ممارسة الاختصاص، وليس لمنح صاحبها امتيازاً شخصياً يبيح له مخالفة القانون. ومن ثم فإن التأكيد على عدم وجود حصانة لمن يسيء استخدام منصبه يجب أن يفهم في إطار عدم جواز تحويل الضمانات القانونية إلى وسيلة لتعطيل العدالة، مع المحافظة في الوقت ذاته على الضمانات الدستورية والمحاكمة العادلة. وهذا التوازن هو الذي يميز الدولة القانونية عن الدولة التي تتعامل مع القانون باعتباره أداة للسلطة لا قيداً عليها.
وفي السياق ذاته، تبرز دلالة حديث جلالة الملك عن الوظيفة العامة، حين أكد أنه «لا مكان في بلدنا وبيننا لمن يظن أن الوظيفة العامة هي تشريف يرفّعه عن العمل أو خدمة الناس». فهذه العبارة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد توجيه إداري للموظفين، وإنما هي نقد لثقافة وظيفية ما زالت بعض مظاهرها تشكل عائقاً أمام تحديث الإدارة العامة وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. فالوظيفة العامة في الفكر القانوني والإداري الحديث ليست مركزاً اجتماعياً يمنح شاغله سلطة على الآخرين، بل هي أمانة واختصاص قانوني يستمد مشروعيته من القانون، وتتمثل غايته في تحقيق المصلحة العامة وخدمة المواطنين.
إن الموظف العام لا يملك السلطة التي يمارسها، وإنما هو مؤتمن عليها، ولا يستمد مشروعية قراراته من موقعه الوظيفي، بل من الاختصاص الذي منحه إياه القانون، ومن التزامه بتحقيق الغاية التي أنشئت الوظيفة من أجلها. ومن هنا، فإن الإصلاح الإداري الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على مكافحة الفساد أو معاقبة المخالفات الصريحة، بل يجب أن يمتد إلى مساءلة المسؤول عن التقصير الإداري، وتعطيل مصالح المواطنين، والتعسف في استعمال السلطة، والامتناع غير المشروع عن اتخاذ القرارات التي يوجب القانون اتخاذها. فالمسؤولية العامة لا تقاس بعدد الكتب التي يوقعها المسؤول أو الاجتماعات التي يعقدها، وإنما تقاس بقدرته على تحقيق النتائج، واحترام حقوق الأفراد، وتقديم الخدمة العامة بكفاءة وعدالة.
ولعل من أبرز ما يستوقف الباحث القانوني في الخطاب تأكيد جلالة الملك أن «الأمة مصدر السلطات»، ووصفه مجلس الأمة بأنه ركن أساس في الحياة السياسية، وأن عليه أن يكون صوتاً للوطن وحارساً للمصلحة العامة ورقيباً على الأداء الحكومي. فهذه الإشارة لا تحمل مجرد تقدير للمؤسسة التشريعية، وإنما تعيد التأكيد على فلسفة النظام الدستوري الأردني القائم على توزيع الاختصاصات وتحديد مسؤوليات السلطات ومنع انفراد أي جهة بممارسة السلطة خارج الحدود التي رسمها الدستور.
فالمادة (24) من الدستور الأردني تقرر أن الأمة مصدر السلطات، والمادة (25) تناط بموجبها السلطة التشريعية بمجلس الأمة والملك، في حين تناط السلطة التنفيذية بالملك ويتولاها بواسطة وزرائه وفق المادة (26)، وتؤكد المادة (27) استقلال السلطة القضائية. وهذه النصوص لا تمثل مجرد توزيع شكلي للاختصاصات، بل تؤسس لمنظومة دستورية تقوم على التوازن والتكامل والرقابة المتبادلة، بما يضمن عدم تحول السلطة إلى ممارسة مطلقة أو منفصلة عن المسؤولية.
والأكثر أهمية في هذا السياق أن جلالة الملك لم يدعُ مجلس الأمة إلى مجرد تأييد السياسات الحكومية أو الاكتفاء بالمشاركة في الإجراءات التشريعية، بل أكد ضرورة قيامه بدوره الرقابي في تقييم الأداء الحكومي ووضع مصلحة الأردنيين في مقدمة الأولويات. وهنا تكمن دلالة دستورية وسياسية بالغة الأهمية، تتمثل في أن الرقابة البرلمانية ليست خصومة مع الحكومة، كما أن الاختلاف مع السياسات الحكومية لا يعني الخروج على المصلحة الوطنية. بل إن الرقابة الفاعلة تمثل إحدى أهم ضمانات سلامة القرار التنفيذي، وتسهم في تصحيح الأخطاء ومنع تراكمها وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن تأكيد جلالة الملك أن اختلاف النواب في الرأي يمثل قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الحياة البرلمانية، ويؤكد أن التعددية السياسية ليست تهديداً للاستقرار، بل أحد شروطه. فالإجماع المصطنع لا يبني حياة سياسية سليمة، والاختلاف المسؤول لا يضعف الدولة، وإنما يمنح مؤسساتها القدرة على استيعاب وجهات النظر المتعددة والوصول إلى قرارات أكثر اتزاناً وارتباطاً بالمصلحة العامة.
ولا يقل عن ذلك أهمية ما تضمنه الخطاب بشأن حرية التعبير والتداول في الشأن العام، حين أكد جلالة الملك أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور ويحميه. فهذه العبارة تحمل دلالة دستورية تتجاوز مفهوم التسامح مع الرأي الآخر إلى الاعتراف بأن المشاركة في النقاش العام حق أصيل من حقوق المواطنين، لا منحة سياسية تمنحها السلطة متى شاءت وتسحبها متى شاءت. فحرية التعبير ليست امتيازاً مرتبطاً بمدى موافقة الرأي للموقف الرسمي، وإنما حق دستوري وقانوني يشكل أحد أعمدة النظام السياسي الديمقراطي.
واللافت في هذه الرسالة أنها تربط بين الانتماء الوطني وكرامة الكلمة وأدب الاختلاف، بما يعني أن حب الوطن لا يقاس بمدى التطابق مع المواقف الحكومية، وإنما بمدى الحرص على المصلحة العامة واحترام القانون والآخرين عند التعبير عن الرأي. وهنا تبرز مسؤولية مؤسسات الدولة في توفير بيئة سياسية وقانونية تسمح بالنقد الجاد وتستوعب الاختلاف، دون أن يتحول ذلك إلى اعتداء على الحقوق والحريات أو كرامة الآخرين. وفي المقابل، فإن ممارسة حرية التعبير يجب أن تظل ضمن الحدود المشروعة التي يقررها الدستور والقانون، على أن تكون القيود المفروضة عليها محددة وواضحة وضرورية ومتناسبة مع غاية مشروعة، وألا تستخدم عبارات المسؤولية الوطنية أو المصلحة العامة لتبرير التضييق على النقد المشروع.
إن الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى النقد، بل تعتبره وسيلة لاكتشاف الخلل وتصحيح المسار. ومن هنا، فإن قوة الحياة السياسية لا تظهر في غياب الاختلاف، وإنما في قدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف ضمن إطار القانون، وتحويله من مصدر للتوتر إلى وسيلة للإصلاح والتطوير.
ومن القضايا التي تستحق قراءة تتجاوز بعدها الخدمي ما ورد في الخطاب بشأن الأمن المائي، إذ إن تأكيد جلالة الملك أن أمن الأردن المائي أولوية وطنية، وأن ظمأ الأردنيين لا يجوز أن يكون رهينة لأي ظرف، يكشف عن تطور في مفهوم الأمن الوطني ذاته. فالأمن لم يعد مقتصراً على حماية الحدود ومواجهة التهديدات العسكرية والأمنية، وإنما أصبح يشمل حماية الموارد الأساسية التي تقوم عليها حياة المجتمع واستمرارية الدولة.
فالمياه ليست مجرد خدمة تقدمها الحكومة أو سلعة تخضع لاعتبارات العرض والطلب، بل هي مورد استراتيجي يرتبط بالأمن الإنساني والاقتصادي والاجتماعي، وبحقوق الأجيال الحالية والقادمة. ولا يمكن تصور استقلال القرار الوطني بصورة مكتملة إذا كانت الموارد الأساسية لحياة المواطنين عرضة للتهديد أو الارتهان أو سوء الإدارة. ولذلك فإن الأمن المائي بات جزءاً من مفهوم السيادة الوطنية بمضمونه المعاصر، وهو ما يفرض على الدولة تبني سياسات استباقية في إدارة الموارد، وتطوير التشريعات الناظمة لها، ومكافحة الهدر والاعتداءات، وضمان عدالة التوزيع والشفافية في إدارة المشاريع المائية.
والأهم أن هذا التوجه ينقل مسؤولية الحكومة من معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى واجب التخطيط الوقائي والاستراتيجي، بحيث تصبح حماية الموارد المائية مسؤولية وطنية مشتركة لا تقتصر على وزارة أو مؤسسة بعينها، وإنما تمتد إلى السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية، باعتبار أن الماء يرتبط بحق المجتمع في الحياة والتنمية والاستمرار.
كما أن استهلال جلالة الملك خطابه باستذكار ضحايا الاعتداء الإرهابي في الكرك يحمل دلالة تتجاوز التعبير عن التضامن مع أسر الضحايا، فهو يعكس تصوراً للأمن الوطني يقوم على الترابط بين قوة المؤسسات العسكرية والأمنية وتماسك المجتمع ووحدة المواطنين. فالأمن في الدولة الحديثة لا يتحقق بالقوة الأمنية وحدها، وإنما يقوم كذلك على وجود مجتمع متماسك يشعر فيه كل مواطن بأنه شريك متساوٍ في الوطن، وأن أمنه وكرامته مصونان دون تمييز.
إن استهداف المواطنين في مناسبة دينية أو اجتماعية لا يمثل اعتداءً على أشخاص بعينهم فحسب، بل يمثل محاولة للمساس بالرابطة الوطنية الجامعة وبفكرة الدولة القائمة على المواطنة المتساوية والتعددية الدينية والاجتماعية. ومن هنا، فإن الرسالة الملكية تؤكد أن حماية المجتمع الأردني تستند إلى وحدة أبنائه، وأن الاعتداء على أي مكون من مكوناته هو اعتداء على الوطن بأكمله.
ومع ذلك، فإن قوة الدولة القانونية تقتضي أن تظل مواجهة الإرهاب والتطرف محكومة بالقانون، وأن تقوم المسؤولية الجزائية على الفعل الشخصي والأدلة القانونية والإجراءات القضائية العادلة. فالدولة التي تواجه التطرف لا يجوز أن تتخلى عن الضمانات الدستورية والقانونية التي تميزها عن الفكر الذي تواجهه، لأن احترام القانون في الظروف الاستثنائية هو الاختبار الحقيقي لرسوخ دولة المؤسسات.
أما في الشأن الفلسطيني، فقد حمل الخطاب تأكيداً على أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية الأردنية، وإنما هي قضية ترتبط بالأمن والاستقرار الإقليميين وبالعدالة والشرعية الدولية. فالتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في أرضه، ورفض الأطماع التوسعية الإسرائيلية، والتحذير من استمرار الاعتداءات والتهجير، يعكس إدراكاً بأن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق في ظل الاحتلال وإنكار الحقوق المشروعة للشعوب.
وتكمن الأهمية القانونية والسياسية لهذا الموقف في تأكيد أن القوة المادية لا تنشئ حقاً قانونياً، وأن السيطرة على الأرض لا تمنح بذاتها مشروعية قانونية، وهو ما ينسجم مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي التي ترفض اكتساب الأراضي بالقوة وتؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها. كما يعكس الخطاب استمرار الدور الأردني في الدفاع عن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، وهو دور يرتبط بمسؤولية تاريخية وسياسية راسخة، ويشكل أحد الثوابت الأساسية في السياسة الأردنية.
غير أن ما أراه الأكثر أهمية في خطاب العرش هو ما يمكن وصفه بالرسائل التي لم ترد على شكل تعليمات تنفيذية تفصيلية، لكنها وضعت مؤسسات الدولة أمام مسؤولية مباشرة في ترجمة المضامين الملكية إلى واقع ملموس. فإذا كانت سيادة القانون هي المعيار، فيجب أن تنعكس في القرارات الإدارية والقضائية والإجراءات الحكومية. وإذا كانت الوظيفة العامة خدمة للمواطن، فيجب أن يظهر ذلك في جودة الخدمات وسرعة الإنجاز ومكافحة البيروقراطية. وإذا كان مجلس الأمة حارساً للمصلحة العامة، فيجب أن تتحول الرقابة البرلمانية إلى ممارسة فعلية لا إلى إجراءات شكلية. وإذا كانت حرية التعبير حقاً دستورياً، فيجب أن تكون البيئة السياسية والقانونية قادرة على استيعاب النقد والاختلاف. وإذا كان الأمن المائي أولوية وطنية، فيجب أن تقترن هذه الأولوية بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات قابلة للقياس والمساءلة.
ومن هنا، فإن المسؤولية الحقيقية بعد الخطاب لا تقع على من أشادوا بمضامينه أو أعادوا نشر عباراته، وإنما تقع على المؤسسات والأشخاص الذين يملكون سلطة تحويل هذه المضامين إلى تشريعات وسياسات وقرارات وممارسات. فالخطاب الملكي لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للاحتفاء الإعلامي المؤقت، بل يجب أن يكون مرجعية لتقييم الأداء العام وقياس مدى التزام المؤسسات بالتوجيهات التي تضمنها.
إن القراءة المتأنية للخطاب تكشف أننا أمام رؤية تربط بين أمن الدولة وسيادة القانون والمسؤولية العامة والرقابة البرلمانية والحق الدستوري للمواطن في المشاركة والتعبير. وهذه ليست موضوعات منفصلة، وإنما تشكل منظومة متكاملة للدولة التي تقوم على الشرعية الدستورية، وتستمد قوتها من ثقة مواطنيها بمؤسساتها، لا من مجرد امتلاكها أدوات السلطة.
وفي تقديري، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس اختلاف الآراء أو النقد المسؤول أو تعدد الاجتهادات السياسية، وإنما أن تفقد المؤسسات ثقة المواطنين، وأن يشعر المواطن بأن القانون لا يطبق على الجميع بالمعيار ذاته، أو أن الموقع والنفوذ يمكن أن يتحولا إلى وسيلة لتجاوز القواعد القانونية. فالثقة العامة لا تبنى بالخطابات وحدها، وإنما تتشكل من خلال الممارسة اليومية، ومن خلال شعور المواطن بأن حقوقه مصونة، وأن مؤسسات الدولة تعمل لخدمته، وأن المسؤول الذي يتجاوز القانون يخضع للمساءلة مهما كان موقعه.
إن الاختبار الحقيقي لخطاب العرش يبدأ بعد انتهاء مراسم الافتتاح، وعندما تعود الحكومة إلى ممارسة صلاحياتها، ويبدأ مجلس الأمة في أداء دوره التشريعي والرقابي، وتواجه الإدارة العامة استحقاقات الإصلاح والتحديث. عندها فقط يمكن قياس مدى قدرة المؤسسات على الانتقال من مرحلة الحديث عن الإصلاح إلى مرحلة إثباته، ومن إعلان سيادة القانون إلى ضمان نفاذه، ومن الحديث عن خدمة المواطن إلى جعل المواطن الغاية الحقيقية لكل سياسة وقرار.
فالرسالة الأعمق في خطاب العرش، كما أقرأها من منظور قانوني وسياسي، أن الدولة القوية ليست الدولة التي تملك سلطة واسعة، وإنما الدولة التي تعرف حدود سلطتها، وتخضع مسؤوليها للمساءلة، وتحمي حقوق مواطنيها، وتجعل القانون مرجعاً للجميع دون استثناء. فلا قيمة لسلطة لا تخضع للمساءلة، ولا معنى لوظيفة لا تخدم المواطن، ولا قوة لدولة لا يحتمي الجميع فيها بالقانون.
وهذه ليست مجرد قراءة لخطاب افتتاح دورة برلمانية، بل قراءة في فلسفة الدولة التي ينبغي أن نعمل جميعاً على ترسيخها؛ دولة المؤسسات لا الأشخاص، ودولة الحقوق لا الامتيازات، ودولة القانون الذي يسمو على النفوذ والموقع والاعتبارات الشخصية. تلك هي الرسالة التي تستحق أن تبقى حاضرة بعد أن ينتهي الخطاب، وأن تتحول من كلمات في مناسبة دستورية إلى ممارسة يومية يشعر بها كل أردني.












































