اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
خالد الحلوة
مع تطور الدراسات الإعلامية والنفسية، بدأ الباحثون يميزون مرحلة المراهقة والشباب بوصفها مرحلة لها خصائصها المستقلة، إذ تتشكل خلالها الهوية وتتسع العلاقات الاجتماعية ويزداد الاستقلال عن الأسرة والتأثر بالأصدقاء والثقافة الجماهيرية. ومع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح هذا التمييز أكثر أهمية، لأن المراهقين والشباب هم من أكثر الفئات استخداماً للتقنيات الجديدة.
ومع ظهور الإنترنت في التسعينيات برزت الباحثة البريطانية سونيا ليفينغستون بوصفها واحدة من أهم الباحثين في علاقة المراهقين والشباب بالإعلام الرقمي. درست ليفينغستون الطريقة التي دخلت بها الإنترنت إلى الحياة اليومية، وكيف أصبحت فضاء للتواصل وتكوين العلاقات والتعبير عن الذات والبحث عن المعلومات والمشاركة الاجتماعية. وفي كتاب لها بعنوان «الشباب والإعلام الجديد» الصادر عام 2002 م قالت أن وسائل الإعلام الجديدة غيرت الممارسات الاجتماعية والعلاقات الشخصية والطرق التي يعبر بها الشباب عن ذواتهم. وأكدت أن المراهقين والشباب يستخدمون الاتصال الرقمي بشكل عميق، لكن قدرتهم على الاستفادة من البيئة الرقمية تختلف بحسب مهاراتهم وظروفهم الاجتماعية.
وفي عام 2009 م صدر لها كتاب آخر بعنوان «الشباب والإنترنت» درست فيه موضوعات الخصوصية والمحتوى الضار والعلاقات الرقمية ومهارات التعامل مع الإنترنت. ومن أهم الأفكار التي ظهرت في هذا السياق أن زيادة استخدام الإنترنت قد تعني زيادة الفرص، مثل التعلم والتواصل والمشاركة والإبداع، لكنها قد تعني أيضاً زيادة احتمالات التعرض لبعض المخاطر. وهنا تميزت ليفينغستون عن الخطاب الذي يصور التقنية إما باعتبارها خطراً يجب الخوف منه أو حلاً لجميع المشكلات، فالأهم من ذلك لديها هو فهم «السياق الاجتماعي» الذي يستخدم فيه الشباب وسائل الإعلام، ومدى امتلاكهم للمهارات والثقافة الرقمية اللازمة للتعامل معها.
أما الباحثة الهولندية باتي فالكنبرغ فقد قدمت إسهاما مهماً في تفسير سبب اختلاف التأثير الإعلامي بين المراهقين. ومن أبرز مؤلفاتها، بالاشتراك مع الباحثة جيسيكا تايلور كتاب بعنوان «متصلون بالشبكة» الصادر عام 2017 م. هنا أكدت فالكنبرغ أن الوسيلة نفسها قد تؤثر في عدة أشخاص بصورة مختلفة. فالمراهق الذي يتمتع بعلاقات اجتماعية جيدة قد يستخدم المنصات لتعزيز هذه العلاقات، بينما قد يعيش آخر تجربة مختلفة تماماً. ويتوقف التأثير على عوامل مثل الشخصية والعمر والدوافع ونوع المحتوى وطريقة الاستخدام والظروف الاجتماعية المحيطة بالفرد.
والفكرة الأساسية هي أنه لا يوجد تأثير إعلامي واحد يقع على الجميع بالطريقة نفسها. فخصائص الفرد النفسية والاجتماعية والمرحلة العمرية تحدد نوع المحتوى الذي يختاره وكيف يستجيب له، ثم يمكن لهذه الاستجابة أن تؤثر في سلوكه ومشاعره وعلاقاته. وفي بحوثها الأحدث حول وسائل التواصل الاجتماعي ركزت فالكنبرغ على «الاختلافات الفردية»، وبينت أن الاستخدام قد يحسن شعور بعض المراهقين بالتواصل ويدعم صحتهم النفسية، وبالمقابل قد يترك أثراً سلبياً لدى فئة أخرى، بينما يكون تأثيره محدوداً لدى فئة ثالثة.
إجمالاً، تكشف أعمال كل من ليفينغستون وفالكنبرغ عن التحول الكبير الذي شهدته بحوث تأثير الإعلام في العصر الرقمي. فقد نقلت ليفينغستون الاهتمام إلى حياة المراهقين والشباب داخل البيئة الرقمية، وإلى التوازن بين الفرص والمخاطر والمهارات والحقوق الرقمية، بينما ساعدت فالكنبرغ على تفسير اختلاف التأثيرات بين الأفراد وعدم إمكان اختزالها في حكم عام بأن وسائل التواصل «جيدة» أو «سيئة». فالسؤال لم يعد كم ساعة يقضيها المراهق أمام الشاشة فقط، بل ماذا يشاهد، ولماذا اختار هذا المحتوى، وكيف يتفاعل معه، وما الذي تقترحه عليه الخوارزميات، وكيف تؤثر هذه التجربة في هويته وعلاقاته وحياته اليومية.










































