اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
خاص - محرر الشؤون المحلية - لم يعد مقبولًا أن نتعامل مع الحوادث الأمنية الخطيرة باعتبارها أحداثًا عابرة تنتهي بانتهاء تفاصيلها، أو أن نكتفي بردود الفعل بعد وقوع الجريمة وسقوط الضحايا. فالأمن الوطني مسؤولية عظيمة، وحماية أرواح المواطنين ورجال الأجهزة الأمنية تستوجب مراجعة مستمرة للإجراءات الوقائية، وتقييمًا جادًا لكل الثغرات التي قد يستغلها أصحاب الفكر المتطرف أو من يشكلون خطرًا حقيقيًا على سلامة المجتمع.
إن حادثة الطعن التي تعرض لها أحد منتسبي جهاز الأمن العام اليوم، وما أُثير بشأن استشهاده، تضع أمامنا تساؤلات مشروعة تستدعي إجابات واضحة من الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الداخلية ومديرية الأمن العام ودائرة المخابرات العامة، بعيدًا عن الانفعال أو إصدار الأحكام المسبقة، وقبل اتضاح جميع ملابسات الحادثة ودوافع مرتكبها.
لقد آن الأوان لإعادة التفكير بصورة شاملة في آليات التعامل مع الأشخاص المسجلة بحقهم قيود أمنية مرتبطة بقضايا الإرهاب والتطرف، ليس من باب التعميم أو العقاب الجماعي، وإنما من منطلق حماية الوطن، وتقييم المخاطر الفعلية، ومنع تحول أي تهديد محتمل إلى جريمة جديدة يدفع ثمنها الأبرياء ورجال الأمن الذين يقفون في الصفوف الأولى دفاعًا عن سلامة الأردن واستقراره.
إلى وزير الداخلية ومدير الأمن العام ومدير المخابرات العامة
إن المسؤولية الوطنية تقتضي من معالي وزير الداخلية، ومدير الأمن العام، ومدير المخابرات العامة، تكثيف الجهود الأمنية والاستخبارية، وتعزيز التنسيق وتبادل المعلومات بين المؤسسات المعنية، وإجراء مراجعة دقيقة للملفات ذات الصلة بالتهديدات الإرهابية، خصوصًا الحالات التي تتوافر بشأنها مؤشرات حديثة وموثوقة على احتمالية ممارسة العنف.
فوجود قيد أمني سابق لا يعني بالضرورة أن صاحبه يشكل خطرًا قائمًا، كما أن انتهاء العقوبة القانونية لا يمنع الجهات المختصة من اتخاذ التدابير الوقائية المشروعة متى توافرت أسباب جدية تستدعي ذلك. ومن هنا، فإن المطلوب هو منظومة متوازنة تجمع بين الحزم الأمني وسيادة القانون، وتفرق بين من تخلى عن الفكر المتطرف وعاد إلى حياته الطبيعية، وبين من لا يزال يحمل أفكارًا عنيفة أو تظهر عليه مؤشرات جدية للانتقال من التطرف الفكري إلى السلوك الإجرامي.
إن إعادة تقييم الملفات الأمنية وفق معايير مهنية وقانونية واضحة، وتحديث المعلومات، وتطوير آليات تقدير مستوى الخطورة، يمكن أن تسهم في تعزيز قدرة الأجهزة المختصة على اكتشاف التهديدات والتعامل معها قبل وقوعها.
الوقاية قبل وقوع الجريمة.. لا بعدها
لقد علمتنا التجارب أن النجاح الأمني الحقيقي لا يقاس فقط بسرعة القبض على مرتكبي الجرائم بعد وقوعها، وإنما بمدى القدرة على منع وقوعها أصلًا.
فما قيمة الإجراءات المشددة بعد أن نفقد أحد أبنائنا؟ وما جدوى اكتشاف مؤشرات الخطر بعد أن يتحول التهديد إلى اعتداء؟ وكيف يمكن تطوير العمل الأمني إذا لم تخضع الحوادث الخطيرة للمراجعة والتقييم واستخلاص الدروس؟
إن هذه الأسئلة لا تنتقص من جهود أجهزتنا الأمنية، بل تنطلق من الثقة بدورها الوطني، ومن الحرص على تمكينها من أداء واجباتها بأعلى درجات الكفاءة والجاهزية.
والمطلوب اليوم ليس مجرد زيادة الإجراءات الأمنية بصورة عامة، بل الانتقال إلى الوقاية المبنية على المعلومات الدقيقة، والتحليل المهني، والتنسيق المؤسسي، والتدخل القانوني المبكر عند ظهور تهديد حقيقي.
كما أن حماية رجال الأمن أثناء تأدية واجباتهم تستوجب مراجعة إجراءات السلامة والتعامل مع الحالات عالية الخطورة، وتوفير التدريب والمعدات والدعم اللازمين لتقليل احتمالات تعرضهم للاعتداء.
مراجعة القيود الإرهابية ضرورة وطنية وليست دعوة للتضييق
إن الحديث عن إعادة النظر في ملفات الأشخاص المرتبطين سابقًا بقضايا الإرهاب يجب ألا يُفهم باعتباره دعوة إلى ملاحقة كل من يحمل قيدًا أمنيًا قديمًا، أو حرمانه من حقوقه، أو تحميله مسؤولية جرائم لم يرتكبها.
فالأردن دولة مؤسسات وقانون، والعدالة لا تستقيم إلا على أساس المسؤولية الفردية والأدلة والإجراءات القانونية السليمة.
لكن ذلك لا يلغي ضرورة وجود آليات فعالة لإعادة تقييم المخاطر، ومتابعة الحالات التي تستدعي المتابعة بموجب القانون، وتطوير برامج التأهيل ومكافحة التطرف وإعادة الإدماج، بما يمنع عودة الأشخاص المعرضين للانخراط في العنف إلى المسارات الخطرة.
إن الجمع بين الوقاية الأمنية والمعالجة الفكرية والاجتماعية هو السبيل الأكثر استدامة لحماية المجتمع، لأن التطرف لا يُواجه بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما كذلك بتجفيف أسبابه، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض، وتعزيز الوعي الوطني.
دماء رجال الأمن أمانة في أعناق الجميع
إن رجل الأمن الذي يغادر منزله مرتديًا بزته العسكرية، ويودع أسرته متوجهًا إلى واجبه، لا ينبغي أن يكون عرضة لخطر يمكن تقليله بإجراءات وقائية أكثر فاعلية.
فهؤلاء الرجال ليسوا مجرد أرقام في سجلات المؤسسات الأمنية، بل هم أبناء وأزواج وآباء وإخوة، تقف خلف كل واحد منهم أسرة تنتظر عودته سالمًا.
وحين يسقط أحدهم أثناء أداء واجبه، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض علينا ألا نكتفي بعبارات الحزن والتعزية، بل أن نطرح الأسئلة الضرورية، وأن نطالب بمراجعة الإجراءات، وأن نعمل على تقليل احتمالات تكرار المأساة.
ولا يجوز أن تتحول التضحية إلى مجرد خبر يتصدر العناوين لساعات، ثم يغيب عن الذاكرة دون أن يترك أثرًا في تطوير منظومة الحماية والوقاية.
رسالة إلى أصحاب القرار: لا تنتظروا الحادثة القادمة
إننا نطالب بمراجعة وطنية جادة للسياسات والإجراءات المتعلقة بمكافحة التطرف العنيف، وبخاصة آليات تقييم التهديدات، والتنسيق بين الأجهزة المختصة، وحماية منتسبي الأمن العام في الميدان.
ونؤكد أن هذه المطالبة ليست تشكيكًا بكفاءة الأجهزة الأمنية الأردنية أو بجهودها وتضحياتها، بل هي دعوة إلى البناء على ما تحقق من إنجازات، ومواكبة طبيعة المخاطر المتغيرة، وإغلاق الثغرات التي قد تهدد أرواح المواطنين ورجال الأمن.
كما أن من الضروري أن تُدرس ملابسات حادثة الطعن الأخيرة دراسة مهنية شاملة، وأن يُتحقق مما إذا كانت هناك مؤشرات سابقة يمكن رصدها، أو إجراءات كان من الممكن أن تحد من الخطر، دون استباق نتائج التحقيق أو افتراض وجود تقصير قبل ثبوته.
فالمؤسسات القوية لا تخشى المراجعة، بل تعتبرها وسيلة للتطوير وتعزيز الثقة العامة.
خير العلاج الوقاية.. والكي آخر الدواء
إن الحكمة العربية التي تقول «آخر الدواء الكي» تحمل رسالة بالغة الأهمية في التعامل مع المخاطر؛ فالأصل أن نمنع تفاقم الخطر قبل أن نضطر إلى مواجهته بعد وقوع الضرر.
ولذلك فإن خير العلاج هو الوقاية، وخير حماية للوطن أن تكون مؤسساته قادرة على استشراف التهديدات والتعامل معها بحكمة وحزم وعدالة.
إن الأردن الذي قدم أبناؤه التضحيات دفاعًا عن أمنه واستقراره يستحق منظومة أمنية تواصل التطور، وتضع حماية الأرواح في مقدمة أولوياتها، دون التفريط بالحقوق والحريات التي يكفلها القانون.
وفي الختام، فإن الرسالة إلى وزير الداخلية ومدير الأمن العام ومدير المخابرات العامة واضحة: آن الأوان لمراجعة ملفات التهديدات الإرهابية، وتطوير آليات الوقاية والتقييم والمتابعة القانونية، وتعزيز حماية رجال الأمن، حتى لا ننتظر وقوع حادثة جديدة لنتحدث مجددًا عن ضرورة اتخاذ الإجراءات.
فأمن الأردن خط أحمر، وأرواح رجال الأمن ليست مجالًا للمجازفة، والوقاية اليوم خير من الندم غدًا.
حمى الله الأردن، قيادةً وشعبًا وجيشًا وأجهزةً أمنية، ورحم شهداء الوطن الذين بذلوا أرواحهم في سبيل أمنه واستقراره.












































